أحدث المواضيع
تحميــل...

مصطفى باشا النحاس

10:02 م |

ولد مصطفى النحاس بسمنود بمحافظة الغربية في ١٥ من يونيو عام ١٨٧٩م

كان والده يعمل بتجارة الأخشاب، وقد ألحقه بكتاب القرية فحفظ القرآن الكريم، وعندما بلغ الحادية عشرة من عمره ألحقه والده للعمل بمكتب تلغراف سمنود.

التحق بالمدرسة الناصرية الابتدائية بالقاهرة، وحصل منها على الشهادة الابتدائية، ثم انتقل عام 1892 إلى المدرسة الخديوية الثانوية، وحصل على الثانوية العامة عام 1896، والتحق بمدرسة الحقوق بالقاهرة، وحصل على الليسانس فيها عام 1900.

عين كاتباً في النيابة، وترك الوظيفة وعمل محامياً حراً،  وتدرب في مكتب المحاماة الذي كان يملكه الزعيم الوطني محمد فريد،  ثم افتتح مكتباً خاصاً له بالمنصورة.

اختير قاضياً في قنا وأسوان في الفترة من عام 1903 حتى 1908، ثم أمضى السنوات التسع التالية متنقلاً بين القاهرة وطنطا، حيث تولى آخر مناصبه.

كان عضواً بالحزب الوطني، ووكيلاً لنادي طلبة المدارس العالية، ولعب دوراً في تحريكهم وتحريضهم للمطالبة بالاستقلال قبل ثورة 1919،  وأهلته اتصالاته الواسعة للانضمام لعضوية حزب الوفد،  للانتفاع به للدعاية للحزب،  وجذب أعضاء جدد، ومنذ ذلك الوقت أصبح من المقربين لسعد زغلول -  رئيس الوفد -  وتولى الإشراف على لجان الطلبة الوفديين.

أقيل من منصبه في القضاء عام 1919، بعد انضمامه للوفد ممثلاً للحزب الوطني، وعين بعد ذلك سكرتيراً عاماً للوفد،  ثم نفى مع سعد زغلول إلى سيشل (1921-1923)،  واختير عقب عودته ليمثل سمنود في مجلس النواب عام 1923.

تقلد منصب وزير المواصلات في وزارة سعد زغلول (28 يناير 1924 -  24 نوفمبر 1924)، ثم أعيد انتخابه لمجلس النواب عام 1926 عن (أبو صيربنا -  غربية)،  ثم أنتخب وكيلاً لمجلس النواب،  وعين رئيساً لحزب الوفد في سبتمبر 1927 بعد وفاة سعد زغلول.

رئيس مجلس النواب (17 نوفمبر 1927- 16 مارس 1928).
شكل وزارته الأولى (16 مارس 1928)  وتولى فيها منصب وزير الداخلية،  ولكنها سقطت بعد ثلاث شهور نتيجة تأزم العلاقات بينه مع القصر والإنجليز،  وانسحاب أعضاء وزارته من المنتمين لحزب الأحرار الدستوريين، وخاصة بعد أن ألزق القصر بالنحاس فضيحة مالية مشبوهة.

في وزارته الثانية التي احتفظ فيها بمنصب وزير الداخلية أيضاً (أول يناير 1930)  تفاوض مع هندرسون (وزير الخارجية البريطانية)  للوصول لاتفاق ينص على استقلال مصر، ولكن المفاوضات فشلت بسبب موضوع السودان، ثم احتدم الصراع بين القصر والنحاس في موضوعين هما:  تعيين أعضاء مجلس الشيوخ وقانون محاكمة الوزراء،  مما حدا بالنحاس أن يقدم استقالته من الوزارة.

واجه مصطفى النحاس دسائس القصر في عهدي فؤاد وفاروق، وتعرض للاغتيال أعوام 1930، 1937 - 1938،  1945، 1948،  وأقاله القصر من الوزارة أربع مرات، وكانت محاولات الصدام به تأتى دائماً من أحزاب القصر، سواء التي دخلت معه في وزارة ائتلافية،  أو من خارج الوزارة.

عقب عودة حزب الوفد للسلطة في انتخابات عام 1936، شكل النحاس وزارته الثالثة (9 مايو) واحتفظ فيها بمنصب وزير الداخلية، وأدار مفاوضات ناجحة مع إنجلترا انتهت بتوقيع معاهدة 1936، وفى وزارته الرابعة احتفظ بمنصب وزير الداخلية أيضاً (أول أغسطس 1937)، وفى هذه الوزارة احتدمت الخلافات بينه وبين الملك بشأن تعيين بعض الشخصيات، وترشيح بعض أعضاء مجلس الشيوخ،  فأقدم الملك على وضع العراقيل أمام الوزارة حتى اضطر النحاس إلى تقديم استقالته.

شكل النحاس وزارته الخامسة (4 فبراير 1942) وتولى فيها منصبي وزيري الداخلية والخارجية، بعد أن أعاده الإنجليز على رأس الوزارة بقوة السلاح عندما حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين وأرغمت الملك على عودته، وقد سعى الملك نتيجة ذلك لإحداث شقاق بين الوفديين تمثل في الصدام بين النحاس ومكرم عبيد سكرتير عام الوفد، ووزير المالية، وهذا ما أدى إلى انشقاق الأخير عن الوفد، وإصداره الكتاب الأسود -  بتشجيع من الملك فاروق -  والذي امتلأ بالمطاعن على مصطفى النحاس وحرمه، مما حدا بالنحاس لتشكيل وزارته السادسة التي تولى فيها منصبي وزير الداخلية والخارجية (26 مايو 1942)  وأزاح مكرم عبيد منها، وأدى عدم رضاء الملك من بعض وزراء النحاس،  بالإضافة إلى انتشار الملاريا والوباء الذي اجتاح قنا وأسوان (1943- 1944)  وارتفاع نسبة الوفيات، مبرراً للإطاحة بالوزارة النحاسية.

عاد الوفد للسلطة إثر فوزه في الانتخابات البرلمانية، وشكل النحاس وزارته السابعة والأخيرة (12 يناير 1950)،  وقدمت وزارته تنازلات عديدة للملك سبق أن رفضتها وزاراته السابقة، ورغم ذلك فقد توترت العلاقات بينهما بسبب قضية الأسلحة الفاسدة (1948)، وتشريعات الصحافة، وعجلت الحوادث بنهاية وزارة النحاس بحدوث مذبحة شرطة الإسماعيلية (25 من يناير 1952)،  وحريق القاهرة في اليوم التالي، وانتهز الملك فاروق الفرصة وأقال النحاس من منصبه بسبب فشله في السيطرة على الأمور.

قامت ثورة 23 يوليه عام 1952م بإلغاء الأحزاب السياسية.
   
من أهم أعمال مصطفى النحاس:

* إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر عقب مؤتمر مونترو 1937.

* إنشاء ديوان المحاسبة.

* قيام جامعة الدول العربية.

* إصدار قانون تنظيم هيئات الشرطة.

* إلغاء معاهدة 1936، واتفاقيتي السودان (1899) عام 1951.

* إنشاء وزارة للاقتصاد الوطني والاهتمام بتصنيع البلاد وبالاقتصاد الزراعي.

* صدور قانون تعويض العمال من إصابات العمل.

توفى في 23 أغسطس عام 1965.
إقرأ المزيد…

إحسان عبد القدوس

4:25 م |
 


إقرأ المزيد…

محمد نجيب

8:11 م |



ولد محمد نجيب في  ١٩ فبراير ١٩٠١ بساقية معلا بالخرطوم .

من سليل أسرة عسكرية اشتهرت بالشجاعة والإقدام، فقد استشهد جده لوالدته الأميرالاي (العميد)  محمد عثمان - قائد حامية بوابة المسلمية بالسودان-  ومعه ثلاث من إخوته الضباط في الجيش المصري بالسودان، أثناء الدفاع عن الخرطوم ضد قوات المهدي عام 1885.


ولد يوسف نجيب (والد محمد نجيب) في قرية النحارية بمركز كفر الزيات بمحافظة الغربية، ومارس كعائلته فلاحة الأرض، ثم ترك الزراعة، وألتحق بالمدرسة حيث حصل على الشهادة الابتدائية، ثم ألتحق بمدرسة الفنون والصنايع وتخرج فيها.

ألتحق بالمدرسة الحربية بالقاهرة وتخرج فيها عام 1896، وسافر على الفور للسودان، حيث اشترك في حملة دنقلة وفى معظم معارك استرجاع السودان حتى عام 1898.


اقترن يوسف نجيب من سيدة سودانية عام 1898، وأنجب منها ابنه عباس، الذي عاد لمصر، واشتغل بالزراعة في بلدة والده بالنحارية، ولكنه لم يعش طويلاً، ثم اقترن يوسف نجيب مرة ثانية عام 1900 من ابنة محمد عثمان السيدة / زهرة وشقيقة زميله عبد الوهاب محمد عثمان (ابن المحلة الكبرى)، الذي تعرف عليه بالقاهرة أثناء دراسته بالمدرسة الحربية، وأنجب منها: محمد نجيب،  وعلي نجيب،  ومحمود نجيب، وست بنات،  فوالدة محمد نجيب مصرية ولدت ونشأت بالسودان.


أما المترجم له (محمد نجيب)  فهو من مواليد 19 فبراير 1901 بساقية معلا بالخرطوم  -طبقاً لملف خدمته- حيث نشأ وترعرع فيها.


عين والده مأموراً للسجن الحربي في وادي حلفا، ثم في وادي مدني، وتلقى محمد نجيب تعليمه بكتاب وادي مدني عام 1905، حيث حفظ القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وانتقل والده إلى سنجا، ثم أبو نعامة بمديرية سنار،  فدلقو بمديرية حلفا، ولم يكن بهذه الجهات المذكورة مدارس.


انتقل والده مأموراً لوادي حلفا عام 1908، فألتحق بالمدرسة الابتدائية هناك، ثم انتقل والده عام 1912 مأموراً لضواحي بلدة وادي مدني بمديرية النيل الأزرق، فالتحق بالمدرسة الابتدائية هناك وحصل على الشهادة الابتدائية فيها، ثم التحق بكلية غوردون عام 1913، وقد توفى والده عام 1914.



ذهب لمصر حيث حصل على الشهادة الابتدائية المصرية- أثناء دراسته فى السنة النهائية بكلية غوردون- وعاد للخرطوم عام 1916.


عقب تخرجه من كلية غوردون التحق بمعهد " الأبحاث الاستوائية " وتخرج فيه، وعمل مترجماً.



ألتحق بالكلية الحربية فى مصر فى أبريل عام 1917 وتخرج فيها فى 23 يناير 1918، ثم سافر إلى السودان فى 19 فبراير 1918 كضابط بالجيش المصري بالكتيبة (17) مشاة، ثم انتقل إلى سلاح السواري (الفرسان) فى شندى، وقد ألغيت الكتيبة التي يخدم فيها، فانتقل إلى فرقة العربة الغربية بالقاهرة عام 1921.

    
حصل على شهادة الكفاءة، ودخل مدرسة البوليس لمدة شهرين، وتخرج فيها وخدم فى أقسام عابدين، مصر القديمة، بولاق، حلوان.


عاد مرة أخرى للسودان عام 1922، مع الفرقة (13) السودانية، وخدم فى " واو " وفى بحر الغزال، ثم انتقل إلى وحدة مدافع الماكينة فى " مالكال ".


انتقل بعد ذلك إلى الحرس الملكي بالقاهرة فى 28 إبريل 1923، ثم انتقل إلى الفرقة الثامنة بالمعادى بسبب تأييده للمناضلين السودانيين.



حصل على شهادة البكالوريا عام 1923، والتحق بكلية الحقوق، ورقى إلى رتبة الملازم أول عام 1924، وكان يجيد اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والعبرية، ورغم مسئولياته العسكرية، فقد كان شغوفاً بالعلم ، فحصل على ليسانس الحقوق عام 1927، ودبلوم الدراسات العليا فى الاقتصاد السياسي 1929، ودبلوم آخر فى الدراسات العليا فى القانون الخاص عام 1931، وبدأ فى إعداد رسالة الدكتوراه، ولكن طبيعة عمله العسكري، وكثرة تنقلاته حال دون إتمامها.


رقي إلى رتبة اليوزباشي (نقيب) فى ديسمبر 1931، ونقل إلى سلاح الحدود عام 1934، ثم انتقل إلى العريش وخدم فى الصحراء.



كان ضمن لجنة أشرفت على تنظيم الجيش المصري فى الخرطوم بعد معاهدة 1936، ورقي لرتبة الصاغ (رائد) فى 6 مايو 1938، ورفض فى تلك العام القيام بتدريبات عسكرية مشتركة مع الإنجليز فى مرسى مطروح.


حصل على شهادة كلية أركان حرب فى مايو 1939، ورقى إلى رتبة البكباشي (مقدم) فى 25 يونيه 1940، وفى تلك العام أعد خطة للدفاع عن مصر إبان تعرض ليبيا للهجوم الإيطالي.


عقب حادث 4 فبراير 1942، وهو الحادث الذي حاصرت فيه الدبابات البريطانية قصر الملك، وطلبت بريطانيا إعادة النحاس للحكم أو يتنازل عن العرش، قدم استقالته من الجيش، نظراً للتدخل الإنجليزي السافر فى شئون مصر الداخلية، ولكن الملك أعاد له الاستقالة، فاضطر للعودة للجيش.



رقى إلى رتبة القائمقام (عقيد) فى يونيه 1944، وفى تلك العام عين حاكماً إقليمياً لسيناء، وفى عام 1947 كان مسئولاً عن مدافع الماكينة فى العريش، ورقى لرتبة الأميرالاي (العميد) عام 1948.



اشترك فى حرب فلسطين عام 1948، ورغم رتبته العسكرية الكبيرة، فقد كان على رأس صفوف قواته فيها، وجرح ثلاث مرات، وعمل قائداً للواء الأول، ثم الثاني، فالثالث، فالرابع وذلك فى الفترة الأولى من حرب فلسطين،  وتعتبر معركة التبة (86) فى دير البلح من أهم المعارك التي اشترك فيها فى فلسطين وعددها (21) معركة، حيث أصيب إصابة بالغة وتعرض للموت.


عين قائداً لمدرسة الضباط العظام عام 1948، ثم سافر إلى فلسطين، حيث تسلم قيادة اللواء العاشر بالإضافة إلى اللواء الرابع مشاة، وعقب عودته عين قائداً لمدرسة الضباط العظام مرة أخرى عام 1949، وعين فى العام نفسه مديراً لسلاح الحدود.


رقى لرتبة اللواء فى 9 ديسمبر 1950، واصطدم بالملك فاروق عام 1951، حينما طلب منه الأخير ترقية حسين سرى وكيل سلاح الحدود -الذي يرأسه محمد نجيب-  فرفض محمد نجيب ترقيته، فامتعض الملك منه ، وقام بتعيين حسين سرى مديراً لسلاح الحدود بدلاً منه، وعين محمد نجيب مديراً لسلاح المشاة، ويرجع موقف الملك هذا من محمد نجيب لتصديه لمحاولاته للاستيلاء على أراضي الدولة لإقامة القصور عليها، كما أمر بالتحقيق فى مخالفات حسين سرى -رجل القصر الذي أتهم بجرائم الرشوة، ونهب أموال البدو، وبيع مخلفات الحرب العالمية الثانية.


علا نجم محمد نجيب وزادت شهرته بعد هذه الواقعة وتعاطف معه الضباط الأحرار، ففي العام نفسه رشحوه مرشحاً عنهم ضد حسين سرى مدير سلاح الحدود ورجل الملك فى انتخابات رئاسة نادي ضباط القوات المسلحة، وضمت قائمة محمد نجيب عدداً من الضباط الأحرار، فأنتخب محمد نجيب بأغلبية الأصوات، ولكن الملك أمر بحل مجلس إدارة النادي وتعيين مجلس إدارة مؤقت وسحب الإعتمادات المخصصة لبناء النادي الجديد.


بسبب دوره فى حرب فلسطين، أصبح محمد نجيب موضع إعجاب واحترام الضباط الشباب بما فيهم الضباط الأحرار، وكان تنظيم الضباط الأحرار سرياً، وكانت الحركة فى حاجة إلى أن يرأسها أحد الضباط الكبار، حيث أنهم من أصحاب الرتب الصغيرة، فأبلغ عبد الحكيم عامر جمال عبد الناصر " لقد عثرت فى اللواء محمد نجيب على كنز عظيم "، وكان عبد الحكيم عامر أركان حرب اللواء الذي كان محمد نجيب يقوده.


دعاه جمال عبد الناصر إلى تنظيم الضباط الأحرار، وكان جمال عبد الناصر هو مؤسسه ورئيسه، ووافق على ذلك، ويؤكد زكريا محيى الدين أن " محمد نجيب انضم للحركة قبل قيام الثورة بستة أشهر ".



أراد الضباط الأحرار انتهاز فرصة حريق القاهرة فى 26 يناير 1952، للقيام بالثورة، حيث كانت تنتشر القوات المسلحة فى شوارع القاهرة، ولكن محمد نجيب حذرهم من العواقب الوخيمة لأي تحرك، قد تدفع بريطانيا للتدخل بحجة حماية الأمن وحماية أرواح الأجانب.


تسرب أمر التنظيم إلى الملك، فأرسل إلى حسين سرى رئيس الوزراء فى 2 يوليه 1952، رسالة طالب فيها من حيدر باشا " نقل (12) ضابطاً يتآمرون عليه فى ظرف خمسة أيام وإلا يطرد ".



تنامى لعلم محمد نجيب أن القبض عليهم أصبح قاب قوسين أو أدنى، خاصة بعد أن زاره اللواء أحمد فؤاد صادق وأخبره بأن السلطات ستقوم بالقبض عليه بتهمة تزعم تنظيم سرى داخل الجيش، كما استدعاه محمد حيدر القائد العام للقوات المسلحة، واتهمه بتحريض الضباط على الثورة، وفى 18 يوليه 1952 قابل محمد نجيب د. محمد هاشم وزير الداخلية-  زوج ابنة رئيس الحكومة   -بناء على طلب الأخير الذي سأله عن أسباب تذمر الضباط وعرض عليه منصب وزير الحربية، رغم رفض الملك تعيينه " حتى لا يظهر عرابي رقم (2) " على حد قول الملك، ولكن محمد نجيب فضل البقاء بالجيش، وأخطره د. محمد هاشم أن هناك لجنة من (12) شخص عرفت السلطات الحكومية ثمانية منهم.



إزاء هذا الموقف والمصير الذي ينتظر الضباط الأحرار طلب محمد نجيب من جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ضرورة التحرك، واتفق معهما على أن تكون ساعة الصفر (21-22 يوليه 1952).



فى هذا الوقت اتصل اللواء على نجيب - شقيق محمد نجيب - وقائد حامية القاهرة به وأخطره بوجود مؤتمر لرئيس الأركان حسين فريد فى الساعة العاشرة مساءاً (22 يوليه) فى مقر القيادة فى كوبري القبة، فأبلغ ذلك لجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، واقترح عليهما محاصرة مقر القيادة، وسيكون أول الحاضرين هناك، فطلب منه جمال عبد الناصر وعبد لحكيم عامر البقاء فى المنزل بجوار التليفون حتى يتم الاستيلاء عليها.


تؤكد الوثائق أن البكباشي (المقدم)، يوسف صديق قد قام بالتبكير بالهجوم على مبنى القيادة قبل الميعاد المحدد بساعة، بناء على تعليمات من اللواء محمد نجيب، وكان اليوزباشي (النقيب) زغلول عبد الرحمن، أحد رجال المقدم يوسف، هو همزة الوصل بين محمد نجيب ويوسف صديق.


بعد نجاح خطة الثورة اتصل جمال حماد باللواء محمد نجيب ليزف إليه نجاح العملية، حيث تم الاستيلاء على القيادة العامة، ومركز الاتصالات، وتحركت المدرعات ودخلت القاهرة، وانتقل اللواء محمد نجيب لمبنى القيادة العامة.


فى 23 يوليه عام 1952، أعلن أول بيان للثورة باسم اللواء / محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة ، وساعد على نجاح الثورة نصيحة الولايات المتحدة لبريطانيا بعدم التدخل العسكري ضد حركة الجيش، وأكد الملحق العسكري البريطاني للمتحدث الرسمي لمحمد نجيب " أن بريطانيا لن تتدخل عسكرياً بشرط الحفاظ على القانون والنظام ".


رقاه الملك فاروق فى 23 يوليه 1952م إلى رتبة الفريق، مع منحه مرتب وزير، ولكن محمد نجيب أعلن فى 26 يوليه عن تنازله عن ذلك وظل برتبة اللواء.


سافر محمد نجيب للإسكندرية فى 25 يوليه ليسلم إنذار تنازل الملك فاروق عن العرش إلى علي ماهر الذي اختاره الضباط الأحرار رئيساً للوزارة -وكلفه الملك بتشكيلها فى 24 يوليه، ولكن زكريا محيى الدين- المكلف بحصار قصر الملك - طلب تأجيل هذه العملية لليوم التالي لإراحة الجنود بعد عناء السفر، وفى 26 يوليه 1952 قابل محمد نجيب ومعه جمال سالم وأنور السادات علي ماهر وسلمه الإنذار الموجه إلى الملك، وضرورة توقيعه على وثيقة التنازل عن العرش قبل الساعة الثانية عشر ظهراً،  ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة مساءاً،  والتنازل عن العرش للأمير أحمد فؤاد الثاني.


بعد الإطاحة بالملك فاروق واستقالة علي ماهر نتيجة للخلافات بينه وبين الضباط الأحرار، أصبح محمد نجيب رئيساً لمجلس قيادة الثورة وشكل وزارته الأولى فى 8 سبتمبر عام 1952، وتولى فيها منصب وزير الحربية والبحرية مع احتفاظه بالقيادة العامة للقوات المسلحة.


فى 9 سبتمبر 1952 صدر مرسوم بقانون (179) لسنة 1952، بشأن تنظيم الأحزاب السياسية، وأعلن محمد نجيب فى 10 من ديسمبر 1952 أن هناك لجنة ستضع دستوراً جديداً (مرسوم 13 يناير 1953)، وقام مجلس قيادة الثورة بحل الأحزاب السياسية (17 يناير 1953)، ما عدا تنظيم الإخوان المسلمين، وأقام جمال عبد الناصر تنظيماً جديداً ليحل محل الأحزاب هو " هيئة التحرير ".


قرر مجلس قيادة الثورة إعلان قيام فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات تنتهي فى 16 يناير 1956، حتى يمكن إقامة نظام ديمقراطي سليم.


فى 18 يونيه 1953 أصبح نظام الحكم فى مصر جمهورياً، وعين اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر، وبذلك تم إلغاء النظام الملكي وحكم أسرة محمد علي.

شكل وزارته الثانية (18 يونيه 1953)، واحتفظ فيها بمنصب رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس قيادة الثورة.


أزمة فبراير 1954:  ترجع أسبابها إلى تجاهل أعضاء مجلس الثورة للواء محمد نجيب وعدم دعوته لحضور اجتماعاتهم، وكان محمد نجيب يريد ممارسة سلطاته التي كفلها له القانون، فقد كان يتم نقل الضباط بدون مشاورته، وامتنع بعض الوزراء على أداء اليمين القانونية أمامه، إلى جانب عدم تطبيق النظام الديمقراطي، وصدور قرارات الاعتقال وتشكيل المحاكم لتصفية خصوم الثورة، وتجاهله تماماً من جانب الوفد المصري أثناء المفاوضات بين مصر وبريطانيا بالرغم من رئاسته لهذا الوفد، لذلك فقد قدم استقالته فى 23 فبراير 1954.


انحاز سلاح الفرسان لمحمد نجيب، وكاد يحدث صدام بين الجيش بعضه والبعض، وطلب ضباط سلاح الفرسان - بعد ذهاب عبد الناصر إليهم - بعودة محمد نجيب، وتطبيق النظام الديمقراطي، فقرر مجلس قيادة الثورة رفض استقالة نجيب وعودته رئيساً للجمهورية فى 27 فبراير 1954.


شكّل محمد نجيب وزارته الثالثة فى 8 مارس 1954، وبذلك عاد قائداً لثورة الجيش ورئيساً للجمهورية ورئيساً للوزراء.


أزمة مارس 1954:  عقب عودة محمد نجيب للحكم قرر مجلس قيادة الثورة فى 5 مارس عودة الأحزاب، وعودة البرلمان، وإلغاء الرقابة على الصحف،  إلا أن عبد الناصر وزملائه كانوا يشعرون بشعبية محمد نجيب الجارفة ، خاصة اتصالاته مع القوى السياسية من وفديين وإخوان وشيوعيين ، خاصة بعد انطواء هذه القوى تحت عباءة الجبهة الوطنية التي دعمها سراً يوسف صديق (عضو مجلس قيادة الثورة السابق)، الذي طالب بتشكيل وزارة ائتلافية لتشرف على إجراء انتخابات جديدة، وقد واكب ذلك حدوث تحركات من جانب نقابة المحامين وجامعتي القاهرة وعين شمس للمطالبة بالديمقراطية.


فى اجتماع مجلس قيادة الثورة فى 25 مارس 1954 قرر إلغاء قرارات 5 مارس والسماح بعودة الأحزاب، وانتخاب الجمعية التأسيسية انتخابا مباشراً، والتي تتولى انتخاب رئيس الجمهورية فور انعقادها، وحل مجلس قيادة الثورة فى 24 يوليه 1954، وتسليم البلاد لممثلي الأمة، إلا أن عبد الناصر نجح فى حشد بعض أسلحة الجيش ضد هذه المطالب بحجة أن ذلك يؤدى إلى ضياع نفوذهم، إلى جانب ذلك استخدم عبد الناصر أنصاره فى هيئة التحرير والنقابات العمالية لتنظيم مظاهرات شعبية لتأييده، وترديد الشعارات ضد عودة الديمقراطية، وانتهت هذه المأساة بالاعتداء على الدكتور عبد الرزاق السنهوري رئيس مجلس الدولة، الذي كان يقف موقف التأييد من عودة الديمقراطية.


قرر مجلس الثورة فى 29 مارس إرجاء تنفيذ قرارات 25 مارس حتى نهاية فترة الانتقال (1956)، وتشكيل مجلس استشاري ليمثل مختلف الطوائف، ثم أصدر مجلس قيادة الثورة قانوناً بموجبه " يحرم من الوظائف العامة ومن كافة الحقوق السياسية، وتولى مجالس إدارة النقابات والهيئات كل ما سبق أن تولى الوزارة فى الفترة (6 فبراير 1943-23 يوليه 1952)"،  وبذلك تم التنكيل بأنصار محمد نجيب، كما تم حل نقابة الصحفيين.



قرر مجلس الثورة فى 17 إبريل عام 1954، أن يكتفي اللواء محمد نجيب برئاسة الجمهورية فقط، وأن يتولى عبد الناصر منصب رئيس الوزراء.


محمد نجيب والسودان: كان محمد نجيب يدرك الأهمية الإستراتيجية للسودان بالنسبة للأمن القومي لمصر، حيث يجمعهما النيل الخالد، فالعلاقات بينهما علاقات أزلية، لذلك كان حريصاً على حصول السودان على استقلاله عن الاستعمار البريطاني، مع عمل استفتاء بين السودانيين للارتباط أو الانفصال عن مصر، وعند توقيع معاهدة الجلاء بين مصر وبريطانيا فى 27 يوليه عام 1954، كان نجيب رئيساً للجمهورية، ولكنه لم يشترك فى التوقيع عليها، نظراً لاحتدام الصراع بينه وبين جمال عبد الناصر منذ أزمة مارس 1954، وتركت المعاهدة للسودانيين الوحدة مع مصر أو الانفصال عنها، وقد تخلى جمال عبد الناصر فى معاهدة الجلاء عن الوحدة بين مصر والسودان رغم أن مسألة السودان كانت الصخرة التي تحطمت عليها مفاوضات الساسة قبل الثورة.


جاءت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر بميدان المنشية بالإسكندرية، فى 26 أكتوبر 1954، على يد أحد أعضاء الإخوان المسلمين، واتهام محمد نجيب بأن له صلة بهذه الجماعة، لذلك قرر مجلس الثورة في 14 نوفمبر 1954، إعفاء اللواء محمد نجيب من منصب رئيس الجمهورية،  وتولى مجلس الوزراء هذه السلطات، ثم صدر قرار بتحديد إقامته خارج القاهرة، وحرمانه من حقوق السياسية لمدة عشر سنوات، وظل محمد نجيب محدد إقامته فى استراحة السيدة / زينب الوكيل بالمرج لمدة 17 عاماً،  حتى أفرج عنه الرئيس السادات عام 1971.


أبنــــــــاؤه:

اقترن محمد نجيب بالسيدة / زينب أحمد، وأنجب منها سميحة، وتوفيت وهى بالسنة النهائية بكلية الحقوق عام 1950، وبعد أن طلق زوجته الأولى تزوج من السيدة / عائشة محمد لبيب عام 1934، وأنجب منها فاروق (توفى فى حياة أبيه)، وعلي (اغتيل فى ألمانيا)، ويوسف وقد توفى بعد وفاة والده.


من أهم أعمال محمد نجيب:

* أسس جمعية مشوهي الحرب بعد حرب فلسطين، وعمل على تحقيق فكرتها وانتخب رئيساً لها.

* صدور قانون الإصلاح الزراعي فى 9 سبتمبر 1952.

* قانون تخفيض إيجارات المساكن بنسبة 15%،  ألغيت الأوقاف ما عدا الأوقاف الخيرية (القانون 180 لسنة 1952).

* ألغى البوليس السياسي.


مؤلفاته:

* أسس مجلة الجيش المصري وأشرف عليها، وتولى رئاسة تحريرها منذ عام 1937، وكتب فيها عدداً كبيراً من المقالات.

* مسألة السودان 1943.

* مصير مصر (بالإنجليزية)  1955.
* كلمتي للتاريخ 1975.

* كان رئيساً لمصر 1984.

* كان عضواً عاملاً فى معهد الصحراء، وأعد كثيراً من الدراسات حول البدو، ورفع أكثر من تقرير للملك فاروق، طالب فيها الاهتمام باستغلال الصحراء وتعميرها.


الأوسمــــة:
* أنعمت عليه كوبا بأرفع أوسمتها العسكرية.

* منح نجمة فؤاد الأول مرتين لبسالته قبل معركة فلسطين وبعدها.


أدركته المنية فى 28 أغسطس 1984.



إقرأ المزيد…

أحمد عرابي

3:02 م |

ولد أحمد عرابي بقرية "هرية رزنة" بمديرية الشرقية في ٣١ مارس عام ١٨٤١.

التحق بالجيش في ٦ ديسمبر ١٨٥٤، ونظراً لإجادته القراءة والكتابة عين كاتباً بدرجة "أمين بلوك" بالاورطة الرابعة من آلاي المشاة الأول، ثم رقي ملازماً عام ١٨٥٨.لما تولى الخديوي محمد توفيق الحكم رقي إلى رتبة أميرالاي (عميد) عام ١٨٧٩، وجعله ياوراناً له، وعينه أميرالايا على آلاي المشاة الرابع بالقاهرة، وظل يشغل هذا المنصب حتى قيام الثورة العرابية.
قام أحمد عرابي في ٩ من سبتمبر ١٨٨١ بمظاهرة عابدين وطالب فيها بعزل مصطفى رياض رئيس الوزراء، وتشكيل مجلس النواب، وزيادة عدد الجيش، وكان من نتائجها قبول المطالب السابقة وأهمها سقوط وزارة رياض، وتأليف وزارة محمد شريف الثالثة (١٤ سبتمبر ١٨٨١- ٢ فبراير ١٨٨٢) وعين البارودي ناظراً للحربية فيها.

عين وزيراً للحربية في عهد نظارة محمود سامي البارودي (٤ فبراير ١٨٨٢- ١٧ يونيه ١٨٨٢)، ولكن سرعان ما توالت الأزمات وتعاقبت الأحداث، بعد تقديم الدستور لمجلس شورى النواب، وتدخل وكيلي دولتي إنجلترا وفرنسا، وطالبا الخديوي بإقالة الوزارة، ونفي أحمد عرابي من القطر المصري، استقالت وزارة محمود سامي وشكلت نظارة جديدة كان عرابي ناظراً للحربية فيها، واضطربت الأمور خاصة في ظل وجود الأسطولين الانجليزي والفرنسي في مياه الإسكندرية، فحدثت مذبحة الإسكندرية (١١ يونيه ١٨٨٢). نشرت مذكراته في عدة طبعات والمساه: "كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية، المشهورة بالثورة العرابية".


كان والده شيخاً للبلد، وينتمي إلى البيت العلوي الشريف.
علمه والده مبادئ القراءة والكتابة في مكتب القرية، وعهد إلى ميخائيل غطاس صراف القرية ليدريه على الأعمال الحسابية، وظل بكنفه لمدة خمس سنوات، وتوفي والده وهو صغير.

تعلم في الأزهر (1849) لينهل من علمه، فمكث فيه أربع سنوات حفظ خلالها القران، وتلقى علوم اللغة والفقه والتفسير، ثم عاد إلى بلده قبل أن يتم دراسته.
التحق بالجيش في 6 ديسمبر 1854، ونظراً لإجادته القراءة والكتابة عين كاتباً بدرجة "أمين بلوك" بالاورطة الرابعة من آلاي المشاة الأول.

رقي ملازماً عام 1858، حين أمر الوالي سعيد بترقية صف المصريين بالامتحان في صفوف الجيش، وكان عرابي على رأس المتقدمين، ثم رقي إلى رتبة يوزباشي (نقيب) 1859، ثم صاغ (رائد) في العام نفسه، ثم بكباشي (مقدم) عام 1860، ثم قائمقام (عقيد) في سبتمبر من العام السابق نفسه.

اكتسب ثقة سعيد باشا، ورافقه أثناء زيارته للمدينة المنورة، ياوراً له عام 1861، ولما أراد سعيد تقليص عدد الجيش فصل بعض ضباطه كان من بينهم أحمد عرابي، ثم أمر بإعادتهم قبل وفاته، فعاد عرابي للجيش بنفس رتبته السابقة.

في عهد الخديوي إسماعيل – الذي لم يكن يعطف على الضباط المصريين مثل سعيد باشااشتد العداء بين عرابي وبين اللواء خسرو باشا الشركسي أفضت إلى تقديمه إلي مجلس عسكري، وحكم عليه بالسجن واحد وعشرين يوماً، وفصل من الجيش، وتركت آثار هذه الحادثة بغضاً شديداً للجراكسة في وجدان عرابي.

ظل ثلاث سنوات بدون عمل، حتى التحق بوظيفة في الدائرة الحامية، وخلال هذه الفترة تزوج من كريمة مرضعة الأمير ألهامي باشا، وهي أخت حرم محمد توفيق (الخديوي مستقبلا) في الرضاعة، وساعده ذلك علي استصدار أمر من الخديوي إسماعيل بالعفو عنه، وإعادته للجيش برتبته العسكرية.

لم يترق عرابي تسعة عشر عاماً بعد رتبة القائمقام (عقيد)، مما آثار كراهيته لرؤسائه غير المصريين، الذين أخذوا يترقون إلى مناصب أعلى، فأخذ يبث في نفوس الضباط الحمية والمطالبة بحقوقهم.

لما تولى الخديوي محمد توفيق الحكم رقي إلى رتبة أميرالاي (عميد) عام 1879، وجعله ياوراناً له، وعينه أميرالايا  على آلاي المشاة الرابع بالقاهرة، وظل يشغل هذا المنصب حتى قيام الثورة العرابية.


احتدم الخلاف بين أحمد عرابي وناظر الجهادية عثمان رفقي الجركسي على القانون الذي سنه للقرعة (الخدمة العسكرية)، ورأى فيه عرابي احتجاجاً بحقوق المصريين، بالإضافة إلى تفضيله الضباط الجراكسة والترك في الترقيات والتعيينات، واضطهاده للوطنيين.

اتفق عرابي مع زميليه الضابطين علي فهمي – أميرالاي الحرس الخديويوعبد العال حلمي – أميرالاي السودان – على الاحتجاج لمسلك ناظر الجهادية وأخذوا يحثون الضباط على ضرورة إلغاء القانون، وعزل عثمان رفقي.

رفع الضباط مطالبهم إلى مجلس النظار، في يناير 1881، فتم استدعاؤهم إلى ثكنة قصر النيل، وألقى القبض عليهم، مما أدى إلى هياج الضباط وقام البكباشي (المقدم) محمد عبيد بإطلاق سراحهم.

تمخض عن هذه الحوادث عزل عثمان رفقي، وتعيين محمود سامي البارودي ناظراً للجهادية، وهو صديق للعرابيين، ولكن حدث خلاف بين الحكومة والضباط، بخصوص حق مجلس شوري النواب في إقرار الميزانية، فاستقال البارودي منها.

قام أحمد عرابي في 9 من سبتمبر 1881 بمظاهرة عابدين وطالب فيها بعزل مصطفي رياض رئيس الوزراء، وتشكيل مجلس النواب، وزيادة عدد الجيش، وكان من نتائجها قبول المطالب السابقة وأهمها سقوط وزارة رياض، وتأليف وزارة محمد شريف الثالثة (14 سبتمبر 1881-2 فبراير 1882) وعين البارودي ناظراً للحربية فيها.

انتقل أحمد عرابي علي رأس آلايه للشرقية، حيث مكث هناك ثلاثة أشهر، ثم عين بعد ذلك وكيلاً للحربية (4 يناير 1882).

عين وزيراً للحربية في عهد نظارة محمود سامي البارودي (4 فبراير 1882-17 يونيه 1882)، ولكن سرعان ما توالت الأزمات وتعاقبت الأحداث، بعد تقديم الدستور لمجلس شورى النواب، وتدخل وكيلي دولتي إنجلترا وفرنسا، وطالبا الخديوي بإقالة الوزارة، ونفي أحمد عرابي من القطر المصري، وإبعاد عبد العال فهمي وعلي فهمي للأرياف.

استقالت وزارة محمود سامي وشكلت نظارة جديدة كان عرابي ناظراً للحربية فيها، واضطربت الأمور خاصة في ظل وجود الأسطولين الانجليزي والفرنسي في مياه الإسكندرية، فحدثت مذبحة الإسكندرية (11 يونيه 1882)، حينما تشاجر رجل مالطي مع مكار مصري في الإسكندرية لامتناع المالطي عن إعطاء الأجر الكافي نظير ركوب حمار المكاري.

أعقب ذلك ضرب الإسكندرية (11 يوليه 1882)، بحجة قيام عرابي بزيادة تحصينات قلاع الثغر للتصدي لأسطولهم، وعزل الخديوي توفيق عرابي من نظارة الحربية، كما اخطر الباب العالي بعصيان عرابي.

اتجهت  وحدات الجيش المصري إلى كفر الدوار، وقاومت القوات الانجليزية، وتغيرت الخطة الانجليزية بالهجوم على شرق الدلتا، والتي انتهت بمعركة التل الكبير بين القوات المصرية والبريطانية في 13 سبتمبر 1882، ومهدت بعد ذلك  إلى مناوشات صغيرة بين بلبيس والقاهرة.

تمكن الانجليز من الدخول للقاهرة بلا مقاومة (15 سبتمبر 1882)، وبذلك تم احتلال مصر.


قام القادة العسكريون جميعاً  بتسليم أنفسهم إلى قائد القوات البريطانية، وشكلت محكمة عسكرية لمحاكمة أحمد عرابي، فحكمت عليه بالإعدام، ولكن الخديوي قام بتخفيف العقوبة إلى النفي المؤبد إلى خارج القطر المصري.

عفا عنه الخديوي عباس الثاني في 11 يونيه 1901، ووصل عرابي إلى مصر أول أكتوبر 1901.

 نشرت مذكراته في عدة طبعات والمساه: "كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية، المشهورة بالثورة العرابية".

توفي في 21 سبتمبر 1911. 


إقرأ المزيد…

محمد علي باشا

8:06 م |






رأس الأسرة العلوية التي استمرت في حكم مصر (1805-1952م)، ومؤسس مصر الحديثة.

من مواليد عام 1769 بمدينة قولة بمقدونيا (اليونان)، وهو التاريخ الذي اختاره لنفسه. وهناك من يرى أنه بعد مراجعة بعض اللوحات التذكارية - في عهده- وشاهد قبره أن تاريخ ميلاده هو عام 1770.

كان والده إبراهيم أغا من أسرة ذات أصل ألباني، وقد صاهر والده أسرة شوربجي (محافظ) قولة، وعين لذلك رئيسًا للحرس الخاص بحراسة الطرق. وقد توفيت والدة محمد علي وهو في السادسة من عمره.

كان له سبعة عشر أخًا توفوا في حياة والدهم.

لم ينل أي قسط من التعليم، وشرع في تعلم القراءة والكتابة وهو في الخامسة والأربعين من عمره.

عمل والده بتجارة الدخان وتأجير السفن، ولما بلغ محمد علي سن العاشرة من عمره، أشركه معه في تجارة الدخان، كما أنه خلف والده في رئاسة الجنود غير النظاميين. وخلال تجارة محمد علي بالدخان تعرف على رجل من مرسيليا يدعى ليون، قنصل فرنسا في قولة، وأفادته علاقاته به في خبرته بالتجارة.

بعد وفاة والده كفله عمه طوسون، ونظرًا لما يتصف به محمد علي بالشجاعة والإقدام منذ نعومة أظفاره، فقد ألحقه عمه طوسون، الذي كان يشغل منصب حكمدار المدينة آنذاك بالشرطة، للمحافظة على الأمن بين قولة والقرى المجاورة، فتمكن بشجاعته من إجبار أهالي مدينة براوستا المجاورة لقولة من دفع الضرائب المتأخرة عليهم للحاكم، بناء على تكليف عمه، وترقى محمد علي لذلك إلى رتبة رئيس فرقة (نقيب).


حريمه وأبناؤه

اقترن محمد علي بامرأة ثرية بناء على ترشيح عمه طوسون، وتدعى أمينة بنت علي أغا شاهر من قرية نصرتلى باليونان، وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن هذا الزواج تم بعد وفاة عمه طوسون عن طريق حاكم قولة (صديق والده) الذي زوجه من ابنة صديق له وفي رواية أخرى من ابنته، وهناك رأي يرى أن محمد علي قد تربى في بيت والده، إذ مات الأخير عندما كان محمد علي في العشرين ومتزوجًا، حيث دون على شاهد قبر والده تاريخ وفاته عام 1791.

كانت أمينة قد تزوجت من قبل برجل آخر، ولكن الزواج لم يكتمل بسبب وفاة الزوج، مما أدى إلى انتشار الشائعات بأن إبراهيم لم يكن أكبر أبناء محمد علي، لكنه ابن زوجته من زوجها السابق، والحقيقة أن زوجة محمد علي رزقت بأول مولود منه وكانت بنتًا توفيت وهي صغيرة السن، وثاني مولود هو إبراهيم، وقد روج لهذه الإشاعة "دروفتى" قنصل فرنسا العام في مصر، بسبب إهانة وجهها إبراهيم إليه عام 1807، وقد دحض "باركر" قنصل إنجلترا في مصر هذا الزعم، حيث "يجمع الشبه بين الأب والابن، ولا سيما قصر الذراعين".


أنجبت أمينة لمحمد علي ثلاثة أبناء هم: إبراهيم (1789-1848م)، وأحمد طوسون (1793-1816م)، وإسماعيل كامل (1795-1822م)، كما أنجبت له بنتين هما: تفيدة (1797-1830م) ونازلى (1799-1860م) ثم سافر محمد علي إلى مصر بعد ذلك.

بعد أن استقرت الأمور لمحمد علي نوعًا ما، أرسل في طلب ولديه إبراهيم وطوسون عام 1805، كما أرسل بعد ذلك في طلب زوجته وأولاده الصغار، وهم إسماعيل وشقيقتاه عام 1808.


إلى جانب أمينة زوجته الشرعية طيلة حياته، اتخذ الباشا لنفسه ثماني أو عشر "سراري" كان له منهن سبعة عشر ولدًا وثلاث عشرة بنتًا.


مجيء محمد علي إلى مصر


جاء إلى مصر عام 1799 ضمن فرقة عسكرية للاشتراك بجانب الأتراك وبمساعدة الإنجليز لإخراج الفرنسيين من مصر ولكن القوات التركية انهزمت في موقعة أبو قير البرية 1799، وعاد محمد علي لبلده.

عاد محمد علي مرة أخرى لمصر في مارس عام 1801، ضمن جيش القبطان حسين الذي جاء ليساعد الإنجليز على جلاء الفرنسيين عن مصر. واشترك في المعارك بين الإنجليز والأتراك من جانب والفرنسيين من جانب آخر، وسطعت شهرته وعلا نجمه في هجوم الجيش التركي على الرحمانية.

بقى محمد علي في مصر بعد جلاء الحملة الفرنسية (1801)، حيث ترقى أثناء ذلك إلى رتبة سرجشمة (لواء)، ثم رشح لمنصب رئيس القيادة العامة وقائد حرس القصر لدى الحاكم العام.


كيف وصل إلى عرش مصر

عقب جلاء الفرنسيين عن مصر تنازع على السلطة فيها العثمانيون والمماليك والإنجليز، فوضع محمد علي خطة تدل على ذكاء خارق وبعد نظر، وهذه الخطة تقوم على التودد إلى زعماء الشعب حتى يمكنه الوصول للحكم والقضاء على القوى المتصارعة، فقد كان ثعلبًا يتسم بالسياسة والحذر، فقد استطاع ضرب القوى المتصارعة في مصر بعضها ببعض لتحقيق أهدافه.

لتنفيذ خطته تحالف محمد علي مع طاهر باشا قائد الجند الألبان ضد خسرو باشا الوالي العثماني في مصر وأسروه، وعين طاهر بك نائبًا للوالي العثماني إلا أنه تعرض للقتل، فأصبح محمد علي قائدًا للجند الألبان.

عين أحمد باشا والي المدينة المنورة الذي كان في طريقه إلى مقر ولايته خلفًا لطاهر باشا بتعضيد من فرق الإنكشارية، فتحالف محمد علي مع المماليك ضده، إلا أنه وصلت تعليمات من الآستانة بتعيينه قائمقام على مصر لحين وصول والي جديد، فكانت ولايته ثلاث وعشرون ساعة.

تمكن المماليك من قتل الوالي العثماني الجديد علي باشا الجزائرلي عام 1803، ومن ثم سعى عثمان البرديسي الزعيم المملوكي (ذو الميول الفرنسية) للتقرب من محمد علي، وعقدا تحالفًا بينهما، نظرًا لعودة محمد الألفي زعيم المماليك الكبير (ذو الميول الإنجليزية) من إنجلترا عام 1804، بعد أن مكث عامًا هناك.   

عقب عودة محمد الألفي هاجم محمد علي المماليك الموالين له واحتل الجيزة، ولم يستطع القبض على محمد الألفي الكبير، وحاول البرديسي بدوره اعتقاله ولكن الأخير فر للصعيد.

عين عثمان البرديسي حاكمًا للقاهرة، إلا أنه أفرط في فرض الضرائب على الشعب، مما أدى إلى امتعاض الأهالي ضد المماليك، وانتهز محمد علي هذه الفرصة وتضامن مع العلماء والمشايخ مما أكسبه شعبية جارفة.
انتهز محمد علي هذه الظروف فهاجم المماليك بالقاهرة، فهرب الجميع للصعيد، وبذلك خلا الجو لمحمد علي.

عاد خسرو باشا الوالي العثماني السابق إلى وظيفته -بعد أن أطلق محمد علي سراحه-  ولم تمض أيام حتى أرغم على مغادرة القاهرة والسفر للآستانة. وسعى محمد علي بعد ذلك للتقرب للدولة العثمانية، فاقترح عليها تعيين أحمد خورشيد محافظ الإسكندرية واليًا على مصر، ولكن وقع الخلاف بينهما منذ الوهلة الأولى فقد عجز خورشيد عن تسديد مرتبات الجنود وقاوم الأهالي محاولته لفرض أي ضرائب جديدة عليهم، مما رفع من أسهم محمد علي إذا آلت إليه السلطة، لذلك قرر العلماء عزل خورشيد في 13 من مايو 1805، وطلبوا من السلطان العثماني تعيين محمد علي واليًا على مصر وعززوا طلبهم بطلب آخر.

حاول خورشيد باشا -بمساعدة الدولة العثمانية- إبعاد محمد علي عن مصر بتعيينه واليًا على جده، ولم ينفذ قرار النقل لتعضيد العلماء له. وقد وافق السلطان العثماني على تعيين محمد علي واليًا على مصر بفرمان صادر في 9 من يوليو عام 1805، وعزل خورشيد من منصبه، ولكنه تحصن بالقلعة وتحالف مع المماليك ضد محمد علي.

أرسل السلطان العثماني قائد أسطوله للإسكندرية لوضع حد للخلافات بين محمد علي وخورشيد، فكلف قائد الأسطول كاتم أسراره ببحث الأمر برمته، فأسرع دروفتي قنصل فرنسا العام بمقابلته بالإسكندرية، وأوضح له أن محمد علي هو سيد الموقف مما حدا بخورشيد باشا إلى مغادرة القلعة في 7 أغسطس 1805، لعدم تعضيد الدولة العثمانية له.

طلبت إنجلترا من السلطان العثماني نقل محمد علي إلى ولاية سالونيك (مقدونيا)، وتعيين موسى باشا واليًا على مصر مع عودة المماليك لتولى السلطة وتعيين محمد الألفي شيخًا للبلد. ولذلك وصل أسطول عثماني للإسكندرية بقيادة صالح باشا قبطان ومعه عدد من الإنجليز للإشراف على هذه الترتيبات.

في هذا الوقت فشل محمد الألفي (زعيم المماليك)  في الاستيلاء على دمنهور، أو في توحيد صفوف المماليك بينما تمكن محمد علي من رشوة صالح قبطان ورجال الباب العالي بالآستانة، وتعهد للباب العالي، إذا عين واليًا على مصر؛ أن يسدد أربعة آلاف كيس كجزية سنوية، وقدم ابنه إبراهيم رهينة لتنفيذ هذا الشرط، وقد عاد قائد الأسطول العثماني إلى إسطنبول في 18 أكتوبر 1806 مصطحبًا الوالي العثماني موسى باشا وإبراهيم نجل محمد علي.
    
ساعدت الظروف محمد علي إذ مات عثمان البرديسي في نوفمبر 1806 الحليف الرئيسي لمحمد علي، كما مات بعده محمد الألفي زعيم المماليك الكبير في يناير 1807.

كان هدف الحملة الإنجليزية على الإسكندرية عام 1807 إعادة المماليك للحكم، إلا أنها فوجئت بوفاة زعيمهم قبل حضورها، وكان محمد علي في هذا الوقت يطارد المماليك في الصعيد وتمكن من احتلال المنيا وأسيوط، وقرر العودة عقب سماعه بوصول الحملة. وقد زال الخطر الإنجليزي بهزيمتهم في رشيد والحماد، وتم الصلح بين محمد علي والإنجليز في 7 سبتمبر 1807، على أن يخرجوا من الإسكندرية مقابل رعاية مصالحهم التجارية وإطلاق سراح الأسرى وغير ذلك من الشروط.

 عقد محمد علي صلحًا مع شاهين بك الألفي (خليفة محمـد الألفي)، ثم مع باقي أمراء المماليك في 5 نوفمبر 1809، وبموجبه أن يستقروا بالقاهرة، ويدفعوا الضرائب، ولكنهم نقضوا شروط الصلح وقرروا العودة في مايو 1810 للصعيد، فقرر محمد علي ضرورة التخلص منهم قبل قيامه بحملة الحجاز، فدبر لهم مذبحة القلعة في 1 مارس 1811، وبذلك تخلص من خطرهم.

من أهم أعمال محمد علي باشا على سبيل المثال لا الحصر في مجال التعليم والثقافة


بدأ محمد على في تكوين طبقة من المتعلمين تعليمًا عاليًا، قبل إنشاء المدارس الابتدائية والثانوية، وساعده على ذلك وجود عددًا من المتعلمين الأزهريين، فأنشأ مدرسة المهندسخانة (الهندسة) عام 1816، ومثيلاتها ببولاق عام 1834، ومدرسة المعادن 1834، ومدرسة الألسن 1836، ومدرسة المحاسبة 1837، ومدرسة الفنون والصنائع 1839.


أنشأ أول مدرسة حربية بأسوان 1820، ومدرسة الطب بالقصر العيني 1827 ومدرسة المشاة (البيادة)  بالخانكة، ثم نقلت لدمياط ثم إلى أبي زعبل، ومدرسة الفرسان بالجيزة ، ومدرسة المدفعية بطرة (الطوبجية)، ومدرسة أركان الحرب بالخانكة، ومدرسة الموسيقى العسكرية، والمدرسة العسكرية المصرية بباريس 1844.


اهتم الباشا بأمر البعثات العلمية لنقل التقدم العلمي لمصر، فأوفد بعثة عام 1813 إلى إيطاليا لدراسة الفنون العسكرية وبناء السفن والطباعة، وكانت أول بعثة علمية منظمة أرسلت إلى أوربا عام 1826، وأعقبها فيما بين عامي 1826 و1847 تسع بعثات وتكونت من 219 طالبًا ذهب معظمهم لفرنسا، واتجه الباقون لإنجلترا والنمسا، وتخصص الطلبة في هذه البعثات في الهندسة والرياضيات والطبيعيات ومختلف الصناعات والنظم الحربية والعلوم السياسية والطب والحقوق.

كان التعليم تابعًا لنظارة الجهادية فأصدر الباشا أمرًا بإنشاء مجلس لتنظيم المدارس عام 1826، وقرر هذا المجلس تقسيم التعليم إلى ثلاث مراحل ابتدائية، تجهيزية، خصوصية، وإنشاء خمسين مدرسة ابتدائية، وإنشاء مدرستين تجهيزيتين بالقاهرة والإسكندرية، ثم أنشأ محمد علي هيئة فنية للإشراف على التعليم (مجلس شورى المدارس)، ولكن التعليم ظل تابعًا للجهادية.

بمقتضى التنظيم الإداري - قانون السياستنامة-  الصادر عام 1837م، قام الباشا بإنشاء إدارة خاصة للمدارس سميت "ديوان المدارس"  وهي أول وزارة للتربية والتعليم في مصر.

 أنشأ مطبعة بولاق (1821، وأصدر جريدة الوقائع المصرية 1828.


نظام الحكم والإدارة
جمع الباشا أو الوالي في يده كل السلطات، فأنشأ بعض المجالس أو الدواوين ليتشاور مع أعضائها قبل إبرام الأمور وأهمها: الديوان العالي أو مجلس الحكومة، والمجلس العالي (1824- 1825م)، والمجلس الخصوصي وكان يرأسه إبراهيم باشا، ثم حدد القانون الأساسي (قانون السياستنامة) الذي صدر عام 1837 الدواوين واختصاصاتها، وظل هذا القانون سائدًا طيلة عصر محمد علي، وحصر السلطة في سبعة دواوين هي: ديوان الخديوي (وزارة الداخلية)، ديوان الإيرادات (المالية)، وديوان الجهادية (وزارة الحرب)، وديوان البحر (وزارة البحرية)، وديوان المدارس (وزارة التعليم والأشغال العمومية)، وديوان التجارة المصرية والأمور الأفرنكية (وزارة التجارة والشئون الخارجية)، وديوان الفابريقات (وزارة الصناعة).


قسمت مصر إلى خمس محافظات وسبع مديريات، وقسمت كل مديرية من هذه المديريات إلى مراكز، والمراكز إلى أقسام أو أخطاط، وسمى رؤساء المركز المأمورين ورؤساء الأقسام النظار.


الزراعـة
ألغى محمد علي نظام الالتزام في نظام حيازة الأرض الزراعية، وقام بتوزيعها على الفلاحين.


طبق الباشا نظام الاحتكار في بيع الحاصلات الزراعية، فتولت الحكومة البيع للأهالي ولتجار الجملة من الأجانب، كما تولت تصديرها للخارج، مما عاد على الباشا بمكاسب هائلة ساعدته على تغطية نفقات حروبه في الداخل والخارج، والقيام بالإصلاحات التي تطلبها البلاد.


أول من أدخل نظام الدورة الزراعية في الزراعة المصرية، وأحضر الخبراء الأجانب لتعليم الفلاحين الطرق الصحيحة لزراعة القطن والقصب والنيلة ، والفوة (أدخله الباشا مصر عام 1825م)، والخشخاش، والتيل والزيتون، وغير ذلك.




أنشأ مدرسة الزراعة في شبرا 1833، ثم نقلت لعدة أماكن عام 1836 وعام 1839، وعام 1844، وفي عام 1846 أنشأ محمد علي الإدارة الزراعية، وعنى بإجراء التجارب الزراعية وإرسال البعوث لأوروبا ومقاومة الآفات الزراعية.

أحضر من الخارج تقاوي نباتات مختلفة منها:  شجيرات البن، الفاصوليا، اللوبيا،  القمح،  وأدخل إلى مصر شجر البرتقال والجوافة وشجرة التوت، والقلقاس وغيرها، ونجح في زراعة البطاطا والبطاطس.

أدخل زراعة قطن جوميل (نسبه إلى مكتشفه مدير مصانعه ببولاق وهو فرنسي)، وأصل بذرته من الهند.


الــري

أقام القناطر العديدة على الترع لضبط مياهها تيسيرًا للانتفاع بالري وأهمها: قناطر العيون التسعة على بحر مويس بالزقازيق، وقناطر المسلمية وبحر مشتول بالشرقية، وكان أهم أعماله بناء القناطر الخيرية وقد بدأ في بنائها عام 1834، ولكنه توفي قبل الانتهاء منها.


عنى بشق عدد كبير من الترع في جميع المحافظات من أمثال: الخطاطبة والبوهية والباجورية. كما سد ترعة الفرعونية، وأنشأ الجسور على شاطئ النيل من جبل السلسلة إلى البحر المتوسط لمنع طغيان المياه على ضفتيه، وقام بإصلاح جسر أبى قير، واستطاع الباشا أن يحول كل أراضي الوجه البحري إلى نظام الري الدائم.


الصناعــة

في البداية طبق محمد علي نظام الاحتكار الصناعي على طوائف الحرف، وكان أول احتكار صناعي طبقه هو احتكار صناعة النشوق (الدخان) عام 1809، مما أدى في نهاية الأمر إلى الأخذ بنظام الصناعة الحديثة والمصنع الكبير.

 انقسمت الصناعات التي أدخلها محمد علي إلى مصر إلى ثلاثة أقسام أولاً: الصناعات التجهيزية: وتمثلت في صناعة آلات حلج وكبس القطن، وفي مضارب الأرز، ومصانع تجهيزية لتجهيز النيلة، ومعاصر للزيوت، حيث توسع في استعمال الآلات البخارية، ومصانع لتحضير المواد الكيماوية، وقام الباشا باستبدال الطرق البدائية في الصناعة بالآلات الميكانيكية. ثانيًا: الصناعات التحويلية: وهي التي تتعلق بالغزل والنسيج بكافة أنواعه، حيث أسس محمد علي مصنعين في الخرنفش وبولاق في نفس الوقت 1816، وهناك من يرجع ذلك إلى عام 1824. وصناعة السكر في البرامون 1818.  وأنشأ مصنعين للزجاج أحدهما عام 1821 بالإسكندرية والآخر عام 1836. ثالثًا: الصناعات الحربية: أسس دار الصناعة بالقلعة عام 1816، وترسانة بولاق، وأقام مصنعًا للحبال بالقاهرة عام 1819، ومصنع الأسلحة الصغيرة بالحوض المرصود عام 1831، ومعامل البارود، ومسابك الحديد، وترسانة الإسكندرية التي بدأ العمل فيها عام 1829 وتم الانتهاء منها عام 1831.


التجارة

بعد تزايد مشروعات محمد علي في الزراعة والصناعة، كان عليه أن يعني بالتجارة لتسهيل تداول المنتجات الزراعية والصناعية لتكون له موردًا جديدًا من موارد الدولة، حيث تقدمت التجارة الخارجية في هذا العهد بسبب الزيادة في إنتاج المحاصيل الزراعية، ونجاح نظام الاحتكار الذي طبقه الباشا في المجالين الداخلي والخارجي، إلى جانب حنكته في تصريف فائض الحاصلات الزراعية في البلاد التي قام بافتتاحها.

أنشأ محمد على ديـوانًا مستقلاً للتجـارة عام 1826 وجعل مقره الإسكندرية، ثم أنشأ عام 1837 "ديوان التجارة المصرية والأمور الأفرنكية". ساعد على نجاح منظومة التجارة إنشاء بنك الإسكندرية عام 1842، وإصلاح الباشا لنظم النقد عام 1834، والعناية بالطرق والمواصلات، فبنى الباشا أسطولاً من المراكب لنقل السلع من أماكن إنتاجها إلى الأشوان والأسواق، واستخدم المراكب البخارية في النقل، ونظم نقل البريد، ومهد العديد من الطرق البرية، وأصلح الطريق بين القاهرة والسويس، ووسع وعمق ميناء الإسكندرية، وقام بحفر ترعة المحمودية، وبنى أبراج البرق (التلغراف)، مما ساعد على نجاح منظومة التجارة.

أعمـــال العمــران
عنى محمد علي بعمران المدن بما استحدثه فيها من المباني العامة كالقصور ودور الحكومة، وفتح وإنشاء الشوارع.

قصور محمد علي بالقاهرة:  سراي شبرا،  قصر أثر النبي، قصر الجوهرة، قصر الجزيرة الوسطى، وأنشأ بالإسكندرية قصر رأس التين، وقصر القباري، وابتنى القصور في بعض عواصم المديريات.


أنشأ دار المحفوظات بالقلعة، وبنى جامعه الكبير بالقلعة، وأنشأ دارًا للرصد (الرصد خانة) ودارًا للآثار.


أنشأ بالإسكندرية مجلس الأورناط 1834، وكان أهم ما قام به إصدار لائحة لتنظيم البناء، ولائحة للصهاريج والمجاري، وصمم المهندس الإيطالى مانشينى ميدان الجيوش (القناصل) عام 1834، ونظم المجلس إنشاء الطرق والميادين وأدخل نظام ترقيم المنازل.


من أهم الشوارع التي افتتحها محمد علي بالإسكندرية الشارع الذي افتتحه ليصل بين باب رشيد (طريق الحرية الآن)، وسراي رأس التين، كما فتح شارع الباب الأخضر المار في شرقي المستشفى الأميري إلى ترعة المحمودية وذلك عام 1844.


قام الباشا عام 1834 بإنشاء مجلس للإشراف على تجميل القاهرة وتعديل شوارعها، وصدر الأمر عام 1846 بفتح وتوسيع شوارع الموسكي وبولاق وفم الخليج والقلعة، كذلك شرع في شق طريق من الموسكي إلى الأزهر (سمى السكة الجديدة فيما بعد).


أنشأ محمد علي مدينة الزقازيق في مناسبة بناء قناطر بحر مويس.


الصحــة

أنشأ مجلس الصحة 1827، ومدرسة الطب عام 1827، ومدرسة الصيدلة ومدرسة الولادة والممرضات، وبدأ التطعيم الإجباري، وأنشأ كلوت بك مجلس الصحة البحرية بالإسكندرية.
وقام الباشا بمكافحة الأمراض والأوبئة في مصر، وإنشاء المحاجر الصحية.


أصدر الباشا قانون الصحة عام 1841م وهو أول تشريع صحي يصدر في مصر.


أواخر أيام محمد علي

تعرض محمد علي لمحنة قاسية أصابته في مقتل، عندما حاصرت الدول بأساطيلها سواحل الشام والإسكندرية، لتعرض عليه شروطها المجحفة التي تمخضت عنها تسوية 1840-1841، وبالتالي ضاعت توسعاته هباء.

في الوقت نفسه فقد محمد علي الثقة في معظم أفراد أسرته، وخاصة إبراهيم ، لأنه ظن أنه يسعى للاستيلاء على الحكم، كما وجه انتقادات لشريف باشا رئيس المجلس الخصوصي، وعلل الباشا هذه الانتقادات بالتراخي في تنفيذ أوامره.  ولكن سرعان ما تم تسوية الموضوع بين الباشا وابنه.


عقب موقف إنجلترا وفرنسا غير الودي من الباشا، قرر أخذ زمام المبادرة في محاربة نفوذهما فبدأ بشراء الشركة الإنجليزية التي كانت تدير المواصلات النيلية والبرية في مصر عام 1842، ووضعها تحت إشرافه.


عندما تدهورت حالة محمد علي الصحية عام 1847، أنشأ مجلسًا أسماه المجلس الخصوصي لإدارة شئون البلاد، ورأسه إبراهيم باشا.

بعد إصابة الباشا بوعكة صحية قرر الأطباء المشرفون على علاجه سفره لمالطة في رحلة بحرية في فبراير 1848، وعهد الباشا إلى حفيده عباس باشا وابنه سعيد بتصريف شئون الدولة في أثناء غيابه، وسافر الباشا من مالطة إلى نابولي حيث كان يعالج ابنه إبراهيم هناك، ثم سافر الباشا لفرنسا لاستكمال علاجه، إلا أنه قرر العودة لمصر عقب قيام ثورة 1848 في فرنسا.


عقب عودته أصيب الباشا في قواه العقلية مما أدى إلى تشكيل مجلس من اثنتي عشر عضوًا لتصريف شئون البلاد وتشكل من إبراهيم باشا رئيسًا وعباس باشا وسعيد باشا وغيرهم.


قام إبراهيم باشا بأعباء الحكم مكان والده، وأرسل السلطان خطًا همايونيًا في الرابع من يوليه 1848، بتقليد إبراهيم ولاية مصر ابتداء من الثاني من سبتمبر 1848، وتلى فرمان التولية في منتصف سبتمبر.

تدهورت صحة إبراهيم باشا وتوفى في العاشر من نوفمبر 1848.


تولى سعيد باشا رئاسة المجلس الخصوصي مؤقتًا حتى وصل عباس باشا من الحجاز في 26 من نوفمبر، وفي 5 من ديسمبر تولى حكم مصر بعد وصول الفرمان السلطاني.

أدركت المنية محمد على باشا في 2 أغسطس 1849.

إقرأ المزيد…

الزعيم جمال عبد الناصر

8:56 م |




ولد جمال عبد الناصر في ١٥ يناير ١٩١٨ في ١٨ شارع قنوات في حي باكوس الشعبي بالإسكندرية .

كان جمال عبد الناصر الابن الأكبر لعبد الناصر حسين الذي ولد في عام ١٨٨٨ في قرية بني مر في صعيد مصر في أسره من الفلاحين، ولكنه حصل على قدر من التعليم سمح له بأن يلتحق بوظيفة في مصلحة البريد بالإسكندرية، وكان مرتبه يكفى بصعوبة لسداد ضرورات الحياة . 

جمال عبد الناصر فى المرحلة الابتدائية:

التحق جمال عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبه في عامي ١٩٢٣ ، ١٩٢٤ .
وفى عام ١٩٢٥ دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة وأقام عند عمه خليل حسين في حي شعبي لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالخطاطبه في العطلات المدرسية، وحين وصل في الإجازة الصيفية في العام التالي – ١٩٢٦ – علم أن والدته قد توفيت قبل ذلك بأسابيع ولم يجد أحد الشجاعة لإبلاغه بموتها، ولكنه اكتشف ذلك بنفسه بطريقة هزت كيانه – كما ذكر لـ "دافيد مورجان" مندوب صحيفة "الصنداى تايمز" – ثم أضاف: "لقد كان فقد أمي في حد ذاته أمراً محزناً للغاية، أما فقدها بهذه الطريقة فقد كان صدمة تركت في شعوراً لا يمحوه الزمن. وقد جعلتني آلامي وأحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضاً بالغاً في إنزال الآلام والأحزان بالغير في مستقبل السنين ".
وبعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف ١٩٢٨ عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية .  



جمال عبد الناصر فى المرحلة الثانوية: 

التحق جمال عبدالناصرفي عام ١٩٢٩ بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاماً واحداً، ثم نقل في العام التالي – ١٩٣٠ – إلى مدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية بعد أن انتقل والده إلى العمل بمصلحة البوسطة هناك . 

وفى تلك المدرسة تكون وجدان جمال عبد الناصر القومي؛ ففي عام ١٩٣٠ استصدرت وزارة إسماعيل صدقي مرسوماً ملكياً بإلغاء دستور ١٩٢٣ فثارت مظاهرات الطلبة تهتف بسقوط الاستعمار وبعودة الدستور. 
ويحكى جمال عبد الناصر عن أول مظاهرة اشترك فيها: "كنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات من البوليس، ولم أتردد في تقرير موقفي؛ فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شئ عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال؛ لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة، واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادى للسلطة. 
ومرت لحظات سيطرت فيها المظاهرة على الموقف، لكن سرعان ما جاءت إلى المكان الإمدادات؛ حمولة لوريين من رجال البوليس لتعزيز القوة، وهجمت علينا جماعتهم، وإني لأذكر أنى – في محاولة يائسة – ألقيت حجراً، لكنهم أدركونا في لمح البصر، وحاولت أن أهرب، لكنى حين التفت هوت على رأسي عصا من عصى البوليس، تلتها ضربة ثانية حين سقطت، ثم شحنت إلى الحجز والدم يسيل من رأسي مع عدد من الطلبة الذين لم يستطيعوا الإفلات بالسرعة الكافية. 
ولما كنت في قسم البوليس، وأخذوا يعالجون جراح رأسي؛ سألت عن سبب المظاهرة، فعرفت أنها مظاهرة نظمتها جماعة مصر الفتاة في ذلك الوقت للاحتجاج على سياسة الحكومة. 
وقد دخلت السجن تلميذاً متحمساً، وخرجت منه مشحوناً بطاقة من الغضب". (حديث عبد الناصر مع "دافيد مورجان" مندوب "صحيفة الصنداى تايمز" ١٨/٦/١٩٦٢) . 
ويعود جمال عبد الناصر إلى هذه الفترة من حياته في خطاب له بميدان المنشية بالإسكندرية في ٢٦/١٠/١٩٥٤ ليصف أحاسيسه في تلك المظاهرة وما تركته من آثار في نفسه: "حينما بدأت في الكلام اليوم في ميدان المنشية. سرح بي الخاطر إلى الماضي البعيد ... وتذكرت كفاح الإسكندرية وأنا شاب صغير وتذكرت في هذا الوقت وأنا اشترك مع أبناء الإسكندرية، وأنا أهتف لأول مرة في حياتي باسم الحرية وباسم الكرامة، وباسم مصر... أطلقت علينا طلقات الاستعمار وأعوان الاستعمار فمات من مات وجرح من جرح، ولكن خرج من بين هؤلاء الناس شاب صغير شعر بالحرية وأحس بطعم الحرية، وآلي على نفسه أن يجاهد وأن يكافح وأن يقاتل في سبيل الحرية التي كان يهتف بها ولا يعلم معناها؛ لأنه كان يشعر بها في نفسه، وكان يشعر بها في روحه وكان يشعر بها في دمه". لقد كانت تلك الفترة بالإسكندرية مرحلة تحول في حياة الطالب جمال من متظاهر إلى ثائر تأثر بحالة الغليان التي كانت تعانى منها مصر بسبب
مقال كتبه جمال عبد الناصر 
بعنوان "فولتير رجل الحرية"
تحكم الاستعمار وإلغاء الدستور. وقد ضاق المسئولون بالمدرسة بنشاطه ونبهوا والده فأرسله إلى القاهرة.
وقد التحق جمال عبد الناصر في عام ١٩٣٣ بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة، واستمر في نشاطه السياسي فأصبح رئيس اتحاد مدارس النهضة الثانوية.
وفى تلك الفترة ظهر شغفه بالقراءة في التاريخ والموضوعات الوطنية فقرأ عن الثورة الفرنسية وعن "روسو" و"فولتير" وكتب مقالة بعنوان "فولتير رجل الحرية" نشرها بمجلة المدرسة. كما قرأ عن "نابليون" و"الإسكندر" و"يوليوس قيصر" و"غاندى" وقرأ رواية البؤساء لـ "فيكتور هيوجو" وقصة مدينتين لـ "شارلز ديكنز".(الكتب التي كان يقرأها عبد الناصر في المرحلة الثانوية). (الكتب التي كان يقرأها عبد الناصر في المرحلة الثانوية).
كذلك اهتم بالإنتاج الأدبي العربي فكان معجباً بأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد وعن أبطال الإسلام وكذلك عن مصطفى كامل، كما قرأ مسرحيات وروايات توفيق الحكيم خصوصاً رواية عودة الروح التي تتحدث عن ضرورة ظهور زعيم للمصريين يستطيع توحيد صفوفهم ودفعهم نحو النضال في سبيل الحرية والبعث الوطني.
الحفلة التمثيلية لمدارس 
النهضة المصرية 
تعرض مسرحية
 يوليوس قيصر ..
وفى ١٩٣٥ في حفل مدرسة النهضة الثانوية لعب الطالب جمال عبد الناصر دور "يوليوس قيصر" بطل تحرير الجماهير في مسرحية "شكسبير" في حضور وزير المعارف في ذلك الوقت.
وقد شهد عام ١٩٣٥ نشاطاً كبيراً للحركة الوطنية المصرية التي لعب فيها الطلبة الدور الأساسي مطالبين بعودة الدستور والاستقلال، ويكشف خطاب من جمال عبد الناصر إلى صديقه حسن النشار في ٤ سبتمبر ١٩٣٥ مكنون نفسه في هذه الفترة، فيقول: "لقد انتقلنا من نور الأمل إلى ظلمة اليأس ونفضنا بشائر الحياة واستقبلنا غبار الموت، فأين من يقلب كل ذلك رأساً على عقب، ويعيد مصر إلى سيرتها الأولى يوم أن كانت مالكة العالم. أين من يخلق خلفاً جديداً لكي يصبح المصري الخافت الصوت الضعيف الأمل الذي يطرق برأسه ساكناً صابراً على اهتضام حقه ساهياً عن التلاعب بوطنه يقظاً عالي الصوت عظيم الرجاء رافعاً رأسه يجاهد بشجاعة وجرأه في طلب الاستقلال والحرية... قال مصطفى كامل ' لو نقل قلبي من اليسار إلى اليمين أو تحرك الأهرام من مكانه المكين أو تغير مجرى [النيل] فلن أتغير عن المبدأ ' ... كل ذلك مقدمة طويلة لعمل أطول وأعظم فقد تكلمنا مرات عده في عمل يوقظ الأمة من غفوتها ويضرب على الأوتار الحساسة من القلوب ويستثير ما كمن في الصدور. ولكن كل ذلك لم يدخل في حيز العمل إلى الآن".(خطاب عبد الناصر لحسن النشار... ٤/٩/١٩٣٥).
خطاب عبد الناصر
 لحسن النشار 
عن الحركة الوطنية
 بين الطلبة لعودة الدستور
 والاستقلال
ووبعد ذلك بشهرين وفور صدور تصريح "صمويل هور" – وزير الخارجية البريطانية – في ٩ نوفمبر١٩٣٥ معلناً رفض بريطانيا لعودة الحياة الدستورية في مصر، اندلعت مظاهرات الطلبة والعمال في البلاد، وقاد جمال عبد الناصر في ١٣ نوفمبر مظاهرة من تلاميذ المدارس الثانوية واجهتها قوة من البوليس الإنجليزي فأصيب جمال بجرح في جبينه سببته رصاصة مزقت الجلد ولكنها لم تنفذ إلى الرأس، وأسرع به زملاؤه إلى دار جريدة الجهاد التي تصادف وقوع الحادث بجوارها ونشر اسمه في العدد الذي صدر صباح اليوم التالي بين أسماء الجرحى. (مجلة الجهاد ١٩٣٥). 
وعن آثار أحداث تلك الفترة في نفسية جمال عبد الناصر قال في كلمة له في جامعة القاهرة في ١٥ نوفمبر ١٩٥٢: "وقد تركت إصابتي أثراً عزيزاً لا يزال يعلو وجهي فيذكرني كل يوم بالواجب الوطني الملقى على كاهلي كفرد من أبناء هذا الوطن العزيز. وفى هذا اليوم وقع صريع الظلم والاحتلال المرحوم عبد المجيد مرسى فأنساني ما أنا مصاب به، ورسخ في نفسي أن على واجباً أفنى في سبيله أو أكون أحد العاملين في تحقيقه حتى يتحقق؛ وهذا الواجب هو تحرير الوطن من الاستعمار، وتحقيق سيادة الشعب. وتوالى بعد ذلك سقوط الشهداء صرعى؛ فازداد إيماني بالعمل على تحقيق حرية مصر". 
وتحت الضغط الشعبي وخاصة من جانب الطلبة والعمال صدر مرسوم ملكي في ١٢ ديسمبر ١٩٣٥ بعودة دستور ١٩٢٣.
مجلة الجهاد تنشر
 أسماء الجرحى فى
 مظاهرات نوفمبر
وقد انضم جمال عبد الناصر في هذا الوقت إلى وفود الطلبة التي كانت تسعى إلى بيوت الزعماء تطلب منهم أن يتحدوا من أجل مصر، وقد تألفت الجبهة الوطنية سنة ١٩٣٦ بالفعل على أثر هذه الجهود.
وقد كتب جمال في فترة الفوران هذه خطاباً إلى حسن النشار في ٢ سبتمبر ١٩٣٥ قال فيه: "يقول الله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، فأين تلك القوة التي نستعد بها لهم؛ إن الموقف اليوم دقيق ومصر في موقف أدق...".
ووصف جمال عبد الناصر شعوره في كتاب "فلسفة الثورة" فقال: "وفى تلك الأيام قدت مظاهرة في مدرسة النهضة، وصرخت من أعماقي بطلب الاستقلال التام، وصرخ ورائي كثيرون، ولكن صراخنا ضاع هباء وبددته الرياح أصداء واهية لا تحرك الجبال ولا تحطم الصخور".
إلا أن اتحاد الزعماء السياسيين على كلمة واحدة كان فجيعة لإيمان جمال عبد الناصر، على حد تعبيره في كتاب "فلسفة الثورة"، فإن الكلمة الواحدة التي اجتمعوا عليها كانت معاهدة ١٩٣٦ التي قننت الاحتلال، فنصت على أن تبقى في مصر قواعد عسكرية لحماية وادي النيل وقناة السويس من أي اعتداء، وفى حال وقوع حرب تكون الأراضي المصرية بموانيها ومطاراتها وطرق مواصلاتها تحت تصرف بريطانيا، كما نصت المعاهدة على بقاء الحكم الثنائي في السودان. 
وكان من نتيجة النشاط السياسي المكثف لجمال عبد الناصر في هذه الفترة الذي رصدته تقارير البوليس أن قررت مدرسة النهضة فصله بتهمة تحريضه الطلبة على الثورة، إلا أن زملائه ثاروا وأعلنوا الإضراب العام وهددوا بحرق المدرسة فتراجع ناظر المدرسة في قراره.
ومنذ المظاهرة الأولى التي اشترك فيها جمال عبد الناصر بالإسكندرية شغلت السياسة كل وقته، وتجول بين التيارات السياسية التي كانت موجودة في هذا الوقت فانضم إلى مصر الفتاة لمدى عامين، ثم انصرف عنها بعد أن اكتشف أنها لا تحقق شيئاً، كما كانت له اتصالات متعددة بالإخوان المسلمين إلا أنه قد عزف عن الانضمام لأي من الجماعات أو الأحزاب القائمة لأنه لم يقتنع بجدوى أياً منها ،"فلم يكن هناك حزب مثالي يضم جميع العناصر لتحقيق الأهداف الوطنية".
كذلك فإنه وهو طالب في المرحلة الثانوية بدأ الوعي العربي يتسلل إلى تفكيره، فكان يخرج مع زملائه كل عام في الثاني من شهر نوفمبر احتجاجاً على وعد "بلفور" الذي منحت به بريطانيا لليهود وطناً في فلسطين على حساب أصحابه الشرعيين.

جمال عبد الناصر ضابطاً:

عبد الناصر وهو طالب
 فى الكلية الحربية بعد
 ان انتقل اليها من
 كلية الحقوق
لما أتم جمال عبد الناصر دراسته الثانوية وحصل على البكالوريا في القسم الأدبي قرر الالتحاق بالجيش، ولقد أيقن بعد التجربة التي مر بها في العمل السياسي واتصالاته برجال السياسة والأحزاب التي أثارت اشمئزازه منهم أن تحرير مصر لن يتم بالخطب بل يجب أن تقابل القوة بالقوة والاحتلال العسكري بجيش وطني.
تقدم جمال عبد الناصر إلى الكلية الحربية فنجح في الكشف الطبي ولكنه سقط في كشف الهيئة لأنه حفيد فلاح من بني مر وابن موظف بسيط لا يملك شيئاً، ولأنه اشترك في مظاهرات ١٩٣٥، ولأنه لا يملك واسطة.
ولما رفضت الكلية الحربية قبول جمال، تقدم في أكتوبر ١٩٣٦ إلى كلية الحقوق في جامعة القاهرة ومكث فيها ستة أشهر إلى أن عقدت معاهدة ١٩٣٦ واتجهت النية إلى زيادة عدد ضباط الجيش المصري من الشباب بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية أو ثروتهم، فقبلت الكلية الحربية دفعة في خريف ١٩٣٦ وأعلنت وزارة الحربية عن حاجتها لدفعة ثانية، فتقدم جمال مرة ثانية للكلية الحربية ولكنه توصل إلى مقابلة وكيل وزارة الحربية اللواء إبراهيم خيري الذي أعجب بصراحته ووطنيته وإصراره على أن يصبح ضابطاً فوافق على دخوله في الدورة التالية؛ أي في مارس ١٩٣٧.
لقد وضع جمال عبد الناصر أمامه هدفاً واضحاً في الكلية الحربية وهو "أن يصبح ضابطاً ذا كفاية وأن يكتسب المعرفة والصفات التي تسمح له بأن يصبح قائداً"، وفعلاً أصبح "رئيس فريق"، وأسندت إليه منذ أوائل ١٩٣٨ مهمة تأهيل الطلبة المستجدين الذين كان من بينهم عبد الحكيم عامر. وطوال فترة الكلية لم يوقع على جمال أي جزاء، كما رقى إلى رتبة أومباشى طالب.
الملازم ثان عبد الناصر
تخرج جمال عبد الناصر من الكلية الحربية بعد مرور ١٧ شهراً، أي في يوليه ١٩٣٨، فقد جرى استعجال تخريج دفعات الضباط في ذلك الوقت لتوفير عدد كافي من الضباط المصريين لسد الفراغ الذي تركه انتقال القوات البريطانية إلى منطقة قناة السويس.
وقد كانت مكتبة الكلية الحربية غنية بالكتب القيمة، فمن لائحة الاستعارة تبين أن جمال قرأ عن سير عظماء التاريخ مثل "بونابرت" و"الإسكندر" و"جاليباردى" و"بسمارك" و"مصطفى كمال أتاتورك" و"هندنبرج" و"تشرشل" و"فوش". كما قرأ الكتب التي تعالج شئون الشرق الأوسط والسودان ومشكلات الدول التي على البحر المتوسط والتاريخ العسكري. وكذلك قرأ عن الحرب العالمية الأولى وعن حملة فلسطين، وعن تاريخ ثورة ١٩١٩.(الكتب التى كان يقرأها عبد الناصر فى الكلية الحربية). 
 
التحق جمال عبد الناصر فور تخرجه بسلاح المشاة ونقل إلى منقباد في الصعيد، وقد أتاحت له إقامته هناك أن ينظر بمنظار جديد إلى أوضاع الفلاحين وبؤسهم. وقد التقى في منقباد بكل من زكريا محيى الدين وأنور السادات.
وفى عام ١٩٣٩ طلب جمال عبد الناصر نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم وفى جبل الأولياء، وهناك قابل زكريا محيى الدين وعبد الحكيم عامر. وفى مايو ١٩٤٠ رقى إلى رتبة الملازم أول.
لقد كان الجيش المصري حتى ذلك الوقت جيشاً غير مقاتل، وكان من مصلحة البريطانيين أن يبقوه على هذا الوضع، ولكن بدأت تدخل الجيش طبقة جديدة من الضباط الذين كانوا ينظرون إلى مستقبلهم في الجيش كجزء من جهاد أكبر لتحرير شعبهم. وقد ذهب جمال إلى منقباد تملؤه المثل العليا، ولكنه ورفقائه أصيبوا بخيبة الأمل فقد كان معظم الضباط "عديمي الكفاءة وفاسدين"، ومن هنا اتجه تفكيره إلى إصلاح الجيش وتطهيره من الفساد. وقد كتب لصديقه حسن النشار في ١٩٤١ من جبل الأولياء بالسودان: "على العموم يا حسن أنا مش عارف ألاقيها منين واللا منين.. هنا في عملي كل عيبي إني دغرى لا أعرف الملق ولا الكلمات الحلوة ولا التمسح بالأذيال.
خطاب عبد الناصر
 لحسن النشار عن
 وضع الجيش فى جبل
 الأولياء فى السودان
شخص هذه صفاته يحترم من الجميع ولكن.. الرؤساء. الرؤساء يا حسن يسوءهم ذلك الذي لا يسبح بحمدهم.. يسوءهم ذلك الذي لا يتملق إليهم.. فهذه كبرياء وهم شبوا على الذلة في كنف الاستعمار.. يقولون.. كما كنا يجب أن يكونوا. كما رأينا يجب أن يروا.. والويل كل الويل لذلك... الذي تأبى نفسه السير على منوالهم... ويحزنني يا حسن أن أقول إن هذا الجيل الجديد قد أفسده الجيل القديم متملقاً.. ويحزنني يا حسن أن أقول أننا نسير إلى الهاوية – الرياء – النفاق الملق - تفشى في الأصاغر نتيجة لمعاملة الكبار. أما أنا فقد صمدت ولازلت، ولذلك تجدني في عداء مستحكم مستمر مع هؤلاء الكبار...". (خطاب عبد الناصر لحسن النشار..١٩٤١ ... ينشر لأول مرة)
وفى نهاية عام ١٩٤١ بينما كان "روميل" يتقدم نحو الحدود المصرية الغربية عاد جمال عبد الناصر إلى مصر ونقل إلى كتيبة بريطانية تعسكر خلف خطوط القتال بالقرب من العلمين.
ويذكر جمال عبد الناصر: "في هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في ذهني رسوخاً تاماً، أما السبيل إلى تحقيقها فكانت لا تزال بحاجة إلى دراسة، وكنت يومئذ لا أزال أتحسس طريقي إلى ذلك، وكان معظم جهدي في ذلك الوقت يتجه إلى تجميع عدد كبير من الضباط الشبان الذين أشعر أنهم يؤمنون في قراراتهم بصالح الوطن؛ فبهذا وحده كنا نستطيع أن نتحرك حول محور واحد هو خدمة هذه القضية المشتركة".
وأثناء وجوده في العلمين جرت أحداث ٤ فبراير ١٩٤٢ حينما توجه السفير البريطاني – "السير مايلز لامسبون" – ليقابل الملك فاروق بسراي عابدين في القاهرة بعد أن حاصر القصر بالدبابات البريطانية، وسلم الملك إنذاراً يخيره فيه بين إسناد رئاسة الوزراء إلى مصطفى النحاس مع إعطائه الحق في تشكيل مجلس وزراء متعاون مع بريطانيا وبين الخلع، وقد سلم الملك بلا قيد ولا شرط.
ويذكر جمال عبد الناصر أنه منذ ذلك التاريخ لم يعد شئ كما كان أبداً، فكتب إلى صديقه حسن النشار في ١٦ فبراير ١٩٤٢ يقول: "وصلني جوابك، والحقيقة أن ما به جعلني أغلى غلياناً مراً، وكنت على وشك الانفجار من الغيظ، ولكن ما العمل بعد أن وقعت الواقعة وقبلناها مستسلمين خاضعين خائفين. والحقيقة أنى أعتقد أن الإنجليز كانوا يلعبون بورقة واحده في يدهم بغرض التهديد فقط، ولكن لو كانوا أحسوا أن بعض المصريين ينوون التضحية بدمائهم ويقابلوا القوة بالقوة لانسحبوا كأي امرأة من العاهرات. 
أما نحن. أما الجيش فقد كان لهذا الحادث تأثير جديد على الوضع والإحساس فيه، فبعد أن كنت ترى الضباط لا يتكلمون إلا عن النساء واللهو، أصبحوا يتكلمون عن التضحية والاستعداد لبذل النفوس في سبيل الكرامة.
خطاب عبد الناصر
 لحسن النشار يبرز فيه
 موقفه من أحداث 
٤ فبراير ١٩٤٢
وأصبحت تراهم وكلهم ندم لأنهم لم يتدخلوا – مع ضعفهم الظاهر – ويردوا للبلاد كرامتها ويغسلوها بالدماء.. ولكن إن غداً لقريب.. حاول البعض بعد الحادث أن يعملوا شئ بغرض الانتقام، لكن كان الوقت قد فات أما القلوب فكلها نار وأسى. عموماً فإن هذه الحركة أو هذه الطعنة ردت الروح إلى بعض الأجساد وعرفتهم أن هناك كرامة يجب أن يستعدوا للدفاع عنها، وكان هذا درساً ولكنه كان درساً قاسياً". (خطاب عبد الناصر لحسن النشار... ١٦/٢/١٩٤٢).
رقى جمال عبد الناصر إلى رتبة اليوزباشى (نقيب) في ٩ سبتمبر ١٩٤٢. وفى ٧ فبراير ١٩٤٣ عين مدرساً بالكلية الحربية. ومن قائمة مطالعاته في هذه الفترة يتضح أنه قرأ لكبار المؤلفين العسكريين من أمثال "ليدل هارت" و"كلاوزفيتز"، كما قرأ مؤلفات الساسة والكتاب السياسيين مثل "كرومويل" و"تشرشل". وفى هذه الفترة كان جمال عبد الناصر يعد العدة للالتحاق بمدرسة أركان حرب. 
وفى ٢٩ يونيه ١٩٤٤ تزوج جمال عبد الناصر من تحية محمد كاظم – ابنة تاجر من رعايا إيران – كان قد تعرف على عائلتها عن طريق عمه خليل حسين، وقد أنجب ابنتيه هدى ومنى وثلاثة أبناء هم خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم. لعبت تحية دوراً هاماً في حياته خاصة في مرحلة الإعداد للثورة واستكمال خلايا تنظيم الضباط الأحرار، فقد تحملت أعباء أسرته الصغيرة - هدى ومنى - عندما كان في حرب فلسطين، كما ساعدته في إخفاء السلاح حين كان يدرب الفدائيين المصريين للعمل ضد القاعدة البريطانية في قناة السويس في ١٩٥١، ١٩٥٢.

تنظيم الضباط الأحرار:

شهد عام ١٩٤٥ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية حركة الضباط الأحرار، ويقول جمال عبد الناصر في حديثة إلى "دافيد مورجان": "وقد ركزت حتى ١٩٤٨ على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي، والذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافي للإقدام على التغيير اللازم. وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك وفى خطة مشتركة".
وعقب صدور قرار تقسيم فلسطين في سبتمبر ١٩٤٧ عقد الضباط الأحرار اجتماعاً واعتبروا أن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد هذا الانتهاك للكرامة الإنسانية والعدالة الدولية، واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين.
وفى اليوم التالي ذهب جمال عبد الناصر إلى مفتى فلسطين الذي كان لاجئاً يقيم في مصر الجديدة فعرض عليه خدماته وخدمات جماعته الصغيرة كمدربين لفرقة المتطوعين وكمقاتلين معها. وقد أجابه المفتى بأنه لا يستطيع أن يقبل العرض دون موافقة الحكومة المصرية. وبعد بضعة أيام رفض العرض فتقدم بطلب إجازة حتى يتمكن من الانضمام إلى المتطوعين، لكن قبل أن يبت في طلبه أمرت الحكومة المصرية الجيش رسمياً بالاشتراك في الحرب. فسافر جمال إلى فلسطين في ١٦ مايو ١٩٤٨، بعد أن كان قد رقى إلى رتبة صاغ (رائد) في أوائل عام ١٩٤٨.
لقد كان لتجربة حرب فلسطين آثاراً بعيدة على جمال عبد الناصر فعلى حد قولة: "فلم يكن هناك تنسيق بين الجيوش العربية، وكان عمل القيادة على أعلى مستوى في حكم المعدوم، وتبين أن أسلحتنا في كثير من الحالات أسلحة فاسدة، وفى أوج القتال صدرت الأوامر لسلاح المهندسين ببناء شاليه للاستجمام في غزه للملك فاروق.
وقد بدا أن القيادة العليا كانت مهمتها شيئاً واحداً هو احتلال أوسع رقعة ممكنة من الأرض بغض النظر عن قيمتها الإستراتيجية، وبغض النظر عما إذا كانت تضعف مركزنا العام في القدرة على إلحاق الهزيمة بالعدو خلال المعركة أم لا. 
وقد كنت شديد الاستياء من ضباط الفوتيلات أو محاربي المكاتب الذين لم تكن لديهم أية فكرة عن ميادين القتال أو عن آلام المقاتلين.
وجاءت القطرة الأخيرة التي طفح بعدها الكيل حين صدرت الأوامر إلىّ بأن أقود قوة من كتيبة المشاة السادسة إلى عراق سويدان التي كان الإسرائيليون يهاجمونها، وقبل أن أبدأ في التحرك نشرت تحركاتنا كاملة في صحف القاهرة. ثم كان حصار الفالوجا الذي عشت معاركه؛ حيث ظلت القوات المصرية تقاوم رغم أن القوات الإسرائيلية كانت تفوقها كثيراً من ناحية العدد حتى انتهت الحرب بالهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة " في ٢٤ فبراير ١٩٤٩.
وقد جرح جمال عبد الناصر مرتين أثناء حرب فلسطين ونقل إلى المستشفى. ونظراً للدور المتميز الذي قام به خلال المعركة فإنه منح نيشان "النجمة العسكرية" في عام ١٩٤٩.
وبعد رجوعه إلى القاهرة أصبح جمال عبد الناصر واثقاً أن المعركة الحقيقية هي في مصر، فبينما كان ورفاقه يحاربون في فلسطين كان السياسيون المصريون يكدسون الأموال من أرباح الأسلحة الفاسدة التي اشتروها رخيصة وباعوها للجيش. 
 وقد أصبح مقتنعاً أنه من الضروري تركيز الجهود لضرب أسرة محمد على؛ فكان الملك فاروق هو هدف تنظيم الضباط الأحرار منذ نهاية ١٩٤٨ وحتى ١٩٥٢.
ووقد كان في نية جمال عبد الناصر القيام بالثورة في ١٩٥٥، لكن الحوادث أملت عليه قرار القيام بالثورة قبل ذلك بكثير.
وبعد عودته من فلسطين عين جمال عبد الناصر مدرساً في كلية أركان حرب التي كان قد نجح في امتحانها بتفوق في ١٢ مايو ١٩٤٨. وبدأ من جديد نشاط الضباط الأحرار وتألفت لجنة تنفيذية بقيادة جمال عبد الناصر، وتضم كمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر وحسين إبراهيم وصلاح سالم وعبد اللطيف البغدادي وخالد محيى الدين وأنور السادات وحسين الشافعي وزكريا محيى الدين وجمال سالم، وهى اللجنة التي أصبحت مجلس الثورة فيما بعد عام ١٩٥٠، ١٩٥١.
وفى ٨ مايو ١٩٥١ رقى جمال عبد الناصر إلى رتبة البكباشى (مقدم) وفى نفس العام اشترك مع رفاقه من الضباط الأحرار سراً في حرب الفدائيين ضد القوات البريطانية في منطقة القناة التي استمرت حتى بداية ١٩٥٢، وذلك بتدريب المتطوعين وتوريد السلاح الذي كان يتم في إطار الدعوى للكفاح المسلح من جانب الشباب من كافة الاتجاهات السياسية والذي كان يتم خارج الإطار الحكومي.
وإزاء تطورات الحوادث العنيفة المتوالية في بداية عام ١٩٥٢ اتجه تفكير الضباط الأحرار إلى الاغتيالات السياسية لأقطاب النظام القديم على أنه الحل الوحيد. وفعلاً بدئوا باللواء حسين سرى عامر - أحد قواد الجيش الذين تورطوا في خدمة مصالح القصر – إلا أنه نجا من الموت، وكانت محاولة الاغتيال تلك هي الأولى والأخيرة التي اشترك فيها جمال عبد الناصر، فقد وافقه الجميع على العدول عن هذا الاتجاه، وصرف الجهود إلى تغيير ثوري إيجابي.
ومع بداية مرحلة التعبئة الثورية، صدرت منشورات الضباط الأحرار التي كانت تطبع وتوزع سراً. والتي دعت إلى إعادة تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه بجدية بدلاً من اقتصاره على الحفلات والاستعراضات، كما دعت الحكام إلى الكف عن تبذير ثروات البلاد ورفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة، وانتقدت الاتجار في الرتب والنياشين. وفى تلك الفترة اتسعت فضيحة الأسلحة الفاسدة إلى جانب فضائح اقتصادية تورطت فيها حكومة الوفد. 
ثم حدث حريق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢ بعد اندلاع المظاهرات في القاهرة احتجاجاً على مذبحة رجال البوليس بالإسماعيلية التي ارتكبتها القوات العسكرية البريطانية في اليوم السابق، والتي قتل فيها ٤٦ شرطياً وجرح ٧٢. لقد أشعلت الحرائق في القاهرة ولم تتخذ السلطات أي إجراء ولم تصدر الأوامر للجيش بالنزول إلى العاصمة إلا في العصر بعد أن دمرت النار أربعمائة مبنى، وتركت ١٢ ألف شخص بلا مأوى، وقد بلغت الخسائر ٢٢ مليون جنيهاً. 
وفى ذلك الوقت كان يجرى صراعاً سافراً بين الضباط الأحرار وبين الملك فاروق فيما عرف بأزمة انتخابات نادي ضباط الجيش. حيث رشح الملك اللواء حسين سرى عامر المكروه من ضباط الجيش ليرأس اللجنة التنفيذية للنادي، وقرر الضباط الأحرار أن يقدموا قائمة مرشحيهم وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب للرياسة، وقد تم انتخابه بأغلبية كبرى وبرغم إلغاء الانتخاب بتعليمات من الملك شخصياً، إلا أنه كان قد ثبت للضباط الأحرار أن الجيش معهم يؤيدهم ضد الملك، فقرر جمال عبد الناصر – رئيس الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار – تقديم موعد الثورة التي كان محدداً لها قبل ذلك عام ١٩٥٥، وتحرك الجيش ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وتم احتلال مبنى قيادة الجيش بكوبري القبة وإلقاء القبض على قادة الجيش الذين كانوا مجتمعين لبحث مواجهة حركة الضباط الأحرار بعد أن تسرب خبر عنها .
وبعد نجاح حركة الجيش قدم محمد نجيب على أنه قائد الثورة - وكان الضباط الأحرار قد فاتحوه قبلها بشهرين في احتمال انضمامه إليهم إذا ما نجحت المحاولة - إلا أن السلطة الفعلية كانت في يد مجلس قيادة الثورة الذي كان يرأسه جمال عبد الناصر حتى ٢٥ أغسطس ١٩٥٢ عندما صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بضم محمد نجيب إلى عضوية المجلس وأسندت إليه رئاسته بعد أن تنازل له عنها جمال عبد الناصر. 

بيان الثورة:

وفى صباح يوم ٢٣ يوليه وبعد احتلال دار الإذاعة تمت إذاعة بيان الثورة التالي:
"اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفى خُلقهم وفى وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب. 
أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب، وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، وإن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس، وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم، والله ولى التوفيق".
وبعد نجاح الثورة بثلاثة أيام – أي في ٢٦ يوليه – أجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد ومغادرة البلاد. وفى اليوم التالي أعيد انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار.
وفى ١٨ يونيه ١٩٥٣ صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وبإسناد رئاسة الجمهورية إلى محمد نجيب إلى جانب رئاسته للوزارة التي شغلها منذ ٧ سبتمبر ١٩٥٢، أما جمال عبد الناصر فقد تولى أول منصباً عاماً كنائب رئيس الوزراء ووزير للداخلية في هذه الوزارة التي تشكلت بعد إعلان الجمهورية. وفى الشهر التالي ترك جمال عبد الناصر منصب وزير الداخلية – الذي تولاه زكريا محيى الدين – واحتفظ بمنصب نائب رئيس الوزراء.(قرار المجلس بإلغاء الملكية) .

تعيين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة:

وفى فبراير ١٩٥٤ استقال محمد نجيب بعد أن اتسعت الخلافات بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، وعين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً لمجلس الوزراء. وفيما يلي البيان الذي أذاعه المجلس بأسباب ذلك الخلاف في ٢٥ فبراير ١٩٥٤:
"أيها المواطنون
"لم يكن هدف الثورة التي حمل لواءها الجيش يوم ٢٣ يوليه سنة ١٩٥٢ أن يصل فرد أو أفراد إلى حكم أو سلطان أو أن يحصل كائن من كان على مغنم أو جاه، بل يشهد الله أن هذه الثورة ما قامت إلا لتمكين المُثل العليا في البلاد بعد أن افتقدتها طويلاً نتيجة لعهود الفساد والانحلال. 
لقد قامت في وجه الثورة منذ اللحظة الأولى عقبات قاسية عولجت بحزم دون نظر إلى مصلحة خاصة لفرد أو جماعة، وبهذا توطدت أركانها واطرد تقدمها في سبيل بلوغ غاياتها.
ولا شك أنكم تقدرون خطورة ما أقيم في وجه الثورة من صعاب، خاصة والبلاد ترزح تحت احتلال المستعمر الغاصب لجزء من أراضيها، وكانت مهمة مجلس قيادة الثورة في خلال هذه الفترة غاية في القسوة والخطورة، حمل أفراد المجلس تلك التبعة الملقاة على عاتقهم ورائدهم الوصول بأمتنا العزيزة إلى بر الأمان مهما كلفهم هذا من جهد وبذل.
ومما زاد منذ اللحظة الأولى في قسوة وخطورة هذه التبعة الملقاة على أعضاء مجلس قيادة الثورة أنهم كانوا قد قرروا وقت تدبيرهم وتحضيرهم للثورة في الخفاء قبل قيامهم أن يقدموا للشعب قائداً للثورة من غير أعضاء مجلس قيادتهم وكلهم من الشبان، واختاروا فعلاً فيما بينهم اللواء أركان حرب محمد نجيب ليقدم قائداً للثورة، وكان بعيداً عن صفوفهم، وهذا أمر طبيعي للتفاوت الكبير بين رتبته ورتبهم، وسنه وسنهم، وكان رائدهم في هذا الاختيار سمعته الحسنة الطيبة وعدم تلوثه بفساد قادة ذلك العهد.
وقد أخطر سيادته بأمر ذلك الاختيار قبل قيام الثورة بشهرين اثنين ووافق على ذلك.
وما أن علم سيادته بقيام الثورة عن طريق مكالمة تليفونية بين وزير الحربية فى ذلك الوقت السيد مرتضى المراغى وبينه وفى منزله حتى قام إلى مبنى قيادة الثورة واجتمع برجالها فور تسلمهم لزمام الأمور. 
ومنذ تلك اللحظة أصبح الموقف دقيقاً؛ إذ أن أعمال ومناقشات مجلس قيادة الثورة استمرت أكثر من شهر بعيدة عن أن يشترك فيها اللواء محمد نجيب إذ أنه حتى ذلك الوقت وعلى وجه التحديد يوم ٢٥ أغسطس سنة ١٩٥٢ لم يكن سيادته قد ضم إلى أعضاء مجلس الثورة. 
وقد صدر قرار المجلس فى ذلك اليوم بضمه لعضويته كما صدر قرار بأن تسند إليه رئاسة المجلس بعد أن تنازل له عنها البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر الذى جدد انتخابه بواسطة المجلس قبل قيام الثورة كرئيس للمجلس لمدة عام ينتهى فى أخر أكتوبر سنة ١٩٥٢. 
نتيجة لذلك الموقف الشاذ ظل اللواء محمد نجيب يعانى أزمة نفسية عانينا منها الكثير رغم قيامنا جميعاً بإظهاره للعالم أجمع بمظهر الرئيس الفعلى والقائد الحقيقى للثورة ومجلسها مع المحافظة على كافة مظاهر تلك القيادة. 
وبعد أقل من ستة شهور بدأ سيادته يطلب بين وقت وآخر من المجلس منحه سلطات تفوق سلطة العضو العادى بالمجلس، ولم يقبل المجلس مطلقاً أن يحيد عن لائحته التى وضعت قبل الثورة بسنين طويلة إذ تقضى بمساواة كافة الأعضاء بما فيهم الرئيس فى السلطة، فقط إذا تساوت الأصوات عند أخذها بين فريقين فى المجلس فترجح الكفة التى يقف الرئيس بجانبها. 
ورغم تعيين سيادته رئيساً للجمهورية مع احتفاظه برئاسة مجلس الوزراء ورئاسته للمؤتمر المشترك إلا أنه لم ينفك يصر ويطلب بين وقت وأخر أن تكون له اختصاصات تفوق اختصاصات المجلس، وكان إصرارنا على الرفض الكلى لكى نكفل أقصى الضمانات لتوزيع سلطة السيادة فى الدولة على أعضاء المجلس مجتمعين. 
وأخيراً تقدم سيادته بطلبات محددة وهى:
أن تكون له سلطة حق الاعتراض على أى قرار يجمع عليه أعضاء المجلس، علماً بأن لائحة المجلس توجب إصدار أى قرار يوافق عليه أغلبية الأعضاء. 
كما طلب أن يباشر سلطة تعيين الوزراء وعزلهم وكذا سلطة الموافقة على ترقية وعزل الضباط وحتى تنقلاتهم؛ أى أنه طالب إجمالاً بسلطة فردية مطلقة. 
ولقد حاولنا بكافة الطرق الممكنة طوال الشهور العشرة الماضية أن نقنعه بالرجوع عن طلباته هذه التى تعود بالبلاد إلى حكم الفرد المطلق، وهو ما لا يمكن نرضاه لثورتنا، ولكننا عجزنا عن إقناعه عجزاً تاماً وتوالت اعتكافاته بين وقت وأخر حتى يجبرنا على الموافقة على طلباته هذه، إلى أن وضعنا منذ أيام ثلاثة أمام أمر واقع مقدماً استقالته وهو يعلم أن أى شقاق يحدث فى المجلس فى مثل هذه الظروف لا تؤمن عواقبه. 
أيها المواطنون
لقد احتمل أعضاء المجلس هذا الضغط المستمر فى وقت يجابهون فيه المشاكل القاسية التى تواجه البلاد والتى ورثتها عن العهود البائدة.
يحدث كل ذلك والبلاد تكافح كفاح المستميت ضد مغتصب فى مصر والسودان وضد عدو غادر يرابط على حدودها مع خوضها معركة اقتصادية مريرة وإصلاحاً لأداة الحكم وزيادة الإنتاج إلى أخر تلك المعارك التى خاضتها الثورة ووطدت أقدامها بقوة فى أكثر من ميدان من ميادينها. 
واليوم قرر مجلس قيادة الثورة بالإجماع ما يلى:
أولاً: قبول الاستقالة المقدمة من اللواء أركان حرب محمد نجيب من جميع الوظائف التى يشغلها.
ثانياً: يستمر مجلس قيادة الثورة بقيادة البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر فى تولى كافة سلطاته الحالية إلى أن تحقق الثورة أهم أهدافها وهو إجلاء المستعمر عن أرض الوطن. 
حل جماعة الاخوان المسلمين
ثالثاً: تعيين البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس الوزراء. 
ونعود فنكرر أن تلك الثورة ستستمر حريصة على مُثلها العليا مهما أحاطت بها من عقبات وصعاب، والله كفيل برعايتها إنه نعم المولى ونعم النصير، والله ولى التوفيق". 
وسرعان ما تم تدارك مظاهر ذلك الخلاف فقبل مجلس قيادة الثورة عودة محمد نجيب إلى رئاسة الجمهورية في بيان صدر في ٢٧ فبراير ١٩٥٤.
ثم بدأت بعد ذلك أحداث الشغب التي دبرتها جماعة الإخوان المسلمين التي أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً مسبقاً بحلها في ١٤ يناير ١٩٥٤، (قرار المجلس بحل جماعة الإخوان المسلمين) وقد تورط أيضاً بعض عناصر النظام القديم في هذه الأحداث.


السماح بقيام أحزاب وإلغاء الحرمان
 من الحقوق السياسية
ووقد تجلى الصراع داخل مجلس قيادة الثورة في هذه الفترة في القرارات التي صدرت عنه وفيها تراجعاً عن المضى في الثورة، فأولاً ألغيت الفترة الانتقالية التي حددت بثلاث سنوات، وتقرر في ٥ مارس ١٩٥٤ اتخاذ الإجراءات فوراً لعقد جمعية تأسيسية تنتخب بالاقتراع العام المباشر على أن تجتمع في يوليه ١٩٥٤ وتقوم بمناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره والقيام بمهمة البرلمان إلى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد وفقاً لأحكام الدستور الذي ستقره الجمعية التأسيسية. وفى نفس الوقت تقرر إلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحافة والنشر.
وثانياً: قرر مجلس قيادة الثورة تعيين محمد نجيب رئيساً للمجلس ورئيساً لمجلس الوزراء بعد أن تنحى جمال عبد الناصر عن رئاسة الوزارة وعاد نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة. 
وأخيراً قرر مجلس قيادة الثورة في ٢٥ مارس ١٩٥٤ السماح بقيام الأحزاب وحل مجلس قيادة الثورة يوم ٢٤ يوليه ١٩٥٤ أي في يوم انتخاب الجمعية التأسيسية. (قرار المجلس بالسماح بقيام أحزاب).
إرجاء تنفيذ قرارات المجلس 
التى صدرت فى ٢٥ مارس ١٩٥٤
وبالرغم من إلغاء مجلس قيادة الثورة لتلك القرارات في ٢٩ مارس ١٩٥٤ (قرار المجلس بإرجاء تنفيذ قرارات ٢٥ مارس ١٩٥٤) إلا أن الأزمة التي حدثت في مجلس قيادة الثورة أحدثت انقساماً داخله بين محمد نجيب يؤيده خالد محيى الدين وبين جمال عبد الناصر وباقي الأعضاء.
وقد انعكس هذا الصراع على الجيش، كما حاول السياسيون استغلاله وخاصة الإخوان المسلمين وأنصار الأحزاب القديمة الذين كانوا فى صف نجيب وعلى اتصال به. 
وفى ١٧ أبريل ١٩٥٤ تولى جمال عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء واقتصر محمد نجيب على رئاسة الجمهورية إلى أن جرت محاولة لاغتيال جمال عبد الناصر على يد الإخوان المسلمين عندما أطلق عليه الرصاص أحد أعضاء الجماعة وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية في ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤، وثبت من التحقيقات مع الإخوان المسلمين أن محمد نجيب كان على اتصال بهم وأنه كان معتزماً تأييدهم إذا ما نجحوا في قلب نظام الحكم. وهنا قرر مجلس قيادة الثورة في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤ إعفاء محمد نجيب من جميع مناصبه على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً وأن يستمر مجلس قيادة الثورة في تولى كافة سلطاته بقيادة جمال عبد الناصر.
إعفاء اللواء محمد نجيب
 من جميع المناصب التى يشغلها
وفى ٢٤ يونيه ١٩٥٦ انتخب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية بالاستفتاء الشعبي وفقاً لدستور ١٦ يناير ١٩٥٦ ـ أول دستور للثورة.
وفى ٢٢ فبراير ١٩٥٨ أصبح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وذلك حتى مؤامرة الانفصال التي قام بها أفراد من الجيش السوري في ٢٨ سبتمبر ١٩٦١.
وظل جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة حتى رحل في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠. 
إقرأ المزيد…